في الوقت الذي حبس فيه العالم أنفاسه وانشغل بمتابعة إعصار "ساندي" والدمار الذي أحدثه في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية الأسبوع الماضي، حبس بعض مشايخ "تويتر" أنفسهم وانشغلوا بالدعاء على الغرب الكافر، وأطلقوا تغريداتهم عبر حساباتهم على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" قائلين إن "الدعاء على الغرب المؤذي، خاصة أميركا، من أوجب الواجبات.

وفعل ذلك من الإيمان، فبهلاكهم سترتاح البشرية، وستدخل بحبوحة من السلام" مؤكدين أنه "بِذلّة أميركا ستتخلص شعوب وحكومات من ربقة الطاعة العمياء، وستجد أن مجال العمل للإسلام واسع لا حد له" وتوقعوا سقوط الولايات المتحدة الأميركية، التي أطلقوا عليها "عادًا الأخرى"، بالرياح والأعاصير "كما أُهلِكت عادٌ الأولى، فهذه الرياح السنوية ترهق أميركا اقتصاديا، وهي كفيلة بذهابها" كما يرى مشايخ "تويتر"!

لست أميركيّ الهوى، ولن أكون ذلك في يوم الأيام، لأسباب لا علاقة لها بالإيمان والكفر، لكنني ضد هذا النمط من التفكير الذي أقلّ ما يقال عنه إنه عدائي وساذج وغير واقعي، فقد نسي هؤلاء المغردون أن موقع التواصل الاجتماعي الذي أطلقوا تغريداتهم عبره من اختراع مبرمج كمبيوتر أميركي هو "جاك دورسي"، الذي لولا اختراعه هذا ما استطاعوا نشر تغريداتهم بهذه الطريقة.

ولما وصلت إلى ملايين البشر في أقل من جزء من الثانية، كما نسوا أن جهازي "الآي فون" و"الآي باد" اللذين يطلق أغلبهم تغريداته منهما أيضا من اختراع أميركي هو "ستيف جوبز" الذي لولا تطويره للهواتف الذكية والأجهزة التي يبثون من خلالها تغريداتهم لظلت هذه التغريدات حبيسة صدورهم، أو في محيط الدائرة الضيقة التي يحبسون أنفسهم فيها.

والأهم من هذا كله أن هؤلاء المغردين نسوا أن الشبكة العنكبوتية التي يرسلون عبرها تغريداتهم وأدعيتهم على الغرب المؤذي هي اختراع غربي خالص، بدأ بشبكة "أربانيت" التي أنشأتها وزارة الدفاع الأميركية لربط الجامعات ومراكز الأبحاث، وانتهى بالشبكة العالمية "الويب" التي اخترعها مهندس البرمجيات البريطاني السير "تيم بيرنرز لي" لتربط العالم كله، وتحوله إلى "بيت كوني" وليس مجرد "قرية" كما توقع "مارشال ماكلوهان" منذ عقود.

لسنا بصدد استعراض إنجازات الغرب واختراعاته العلمية، كما أننا لسنا بصدد رفع أكف الضراعة والدعاء للغرب بطول العمر، كي يستمر في مدنا باختراعاته التي تيسر لنا أمور الحياة، على اختلاف هذه الاختراعات وتنوعها، فنحن ندرك جيدا أن الغرب حين يخترع من الوسائل ما ييسر أمور الحياة، فإنه لا يفعل ذلك من أجلنا نحن الذين ندعو عليه ونتمنى زواله من الوجود.

لكننا في النهاية مستفيدون من هذه الاختراعات والإنجازات العلمية والوسائل الحديثة، بل لعلنا أول المستفيدين وأكثرهم، إذا قارنا أنفسنا بشعوب كثيرة غير مقتدرة على اقتنائها، أو لديها من ضرورات الحياة ما هو أجدر بالصرف عليه من اقتناء هذه المخترعات التي تَعُدّها تلك الشعوب من الكماليات، كما أننا أكثر المستفيدين من الغرب في تعليم أبنائنا وعلاج مرضانا وأمور كثيرة ليس هذا مجال حصرها، لذلك علينا أن نتذكر دائما المثل الذي يقول: "لا تشرب من البئر ثم تبصق فيه، لأنك قد تعود إلى الشرب منه ثانية".

نحن نعلم أن الغرب ليس فردوسا من الملائكة، كما أنه ليس غابة من الشياطين أيضا، وهذا ينطبق على جميع الأمم والشعوب التي نحن جزء منها، لذلك نرفض مبدأ التعميم، كما نرفض مبدأ الشماتة التي صبغت الكثير من التغريدات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى المواقع الإلكترونية التي كانت تنشر أخبار الإعصار، ونحيي الفتوى التي أصدرها سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، مفتي المملكة العربية السعودية، وحذر فيها من الدعاء على ضحايا إعصار "ساندي".

ومن الدعاء على العموم وقت حصول الكوارث الطبيعية، مؤكدا أن هذا الدعاء "غير مشروع، ولا تظهر فيه وجاهة"، قائلا "إن الدعاء على هؤلاء الذين أصابهم إعصار ساندي لا يليق"، وإنه "يجب على المسلمين الاعتبار بما يحصل من الكوارث... وهذا الدعاء ليست فيه مصلحة للمسلمين، بل ينبغي تركه".

هذا الجدل الذي أثاره إعصار "ساندي" مؤشر على حالة التشرذم والتصادم الفكري التي يعيشها المسلمون، حيث انقسم المغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى فريق كرّس الحديث عن الإعصار لمتابعة أخباره، والاطمئنان على أبنائهم وأقاربهم الذين يدرسون أو يقيمون أو يستشفون هناك، وآخر كرّسه للدعاء على أميركا والغرب المؤذي، ودافع عن موقفه هذا قائلا إن "من يقول كيف ندعو على أميركا وفيها مسلمون يحتاج أن يراجع عقيدته، فهل نسي هؤلاء أن الله قادر أن ينجّي عباده المؤمنين؟"!

وتحدث أحد الدعاة المثيرين للجدل في تغريدة له عن عقاب إلهي للولايات المتحدة بسبب الفيلم المسيء للنبي، صلى الله عليه وسلم، الذي ظهر على مواقع الإنترنت وأثار سلسلة من احتجاجات عنيفة في بلدان العالم الإسلامي، وقال إنه "بعد خمسين يوما من إنتاج الفيلم المسيء للنبي الكريم بنيويورك، يأتي الإعصار ساندي ليرجف أهل المدينة، ويقتل المئات، ويدمر آلاف المنشئات"، ولم يشرح لنا هذا الداعية كيف أن أحدا من منتجي الفيلم أو المشاركين فيه لم يصب بأذى خلال الإعصار، بينما أصيب آخرون لا علاقة لهم بالفيلم، وربما كانوا معارضين له، او لم يسمعوا به إطلاقا.

منطق غريب، لا نعرف له أصلا في ديننا الذي يقول "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، ولا مكان فيه للشماتة والتشفي من أحد.

منطق لو طبقناه على ما حدث لمسلمي أندونيسيا الذين ذهب منهم حوالي ربع مليون ضحية في إعصار تسونامي عام 2004، وما حدث ويحدث من زلازل وفيضانات وحرائق وكوارث وحوادث في بلاد المسلمين، لوجدنا أن الله يعاقبنا وينتقم منا أكثر مما يعاقب كفار الغرب المؤذي، وفقا لمنطق مشايخ "تويتر" الذين نقول لهم: كفى تشويها للإسلام ومتاجرة بمشاعر المسلمين، فالإسلام دين الإنسانية والرحمة والتسامح، وكفى استعداءً للأمم والشعوب على المسلمين الذين لهم من أنفسهم أعداء أكثر مما لهم من غيرهم.