لا نكاد نغلق صفحة حقوق الانسان في الإمارات الا وتعاد تلك الصفحة لتفتح من جديد في محاولة لإيجاد ثغرة للولوج منها إلى مجتمعنا والضغط علينا.

فما أن تسكت جهة أو هيئة خارجية حتى تقوم أخرى شاهرة ذلك السيف على رقابنا بتقارير متحيزة ومتحاملة وغير موضوعية، تقارير تصفنا بل وتعاملنا كدولة غير حضارية لا غاية لها الا تعذيب مواطنيها وسلبهم حرياتهم واستغلال العمالة الوافدة وسلبها حقوقها الانسانية والمهنية.

هذا الاستهداف مقصود ونكاد نجزم بأنه مبرمج. فكلما برز اسم الإمارات عاليا في المحافل العالمية برزت هيئة خارجية تكيل للإمارات الاتهامات وتحاول الانتقاص من سجلها الحضاري والانساني، حتى بتنا نتوقع هذه الاتهامات كلما سجلت الإمارات إنجازاً عالمياً وكلما ذكر اسم الإمارات بصورة إيجابية في المحافل الدولية.

نحن لا ندعي أن بلدنا مثالي، حتى وإن كانت كذلك، فالمثالية لا توجد الا في "اليوتوبيا" أو مدينة أفلاطون الفاضلة، وما عدا ذلك فكل المجتمعات بها مثالب وبها ثغرات قانونية يمكن أن استغلت ووظفت من قبل البعض، تصبح مثار توتر كما يتولد عنها ممارسات تعد انتهاكا لحقوق الانسان . نحن لا ننكر أن بلادنا استغلت من قبل البعض للترويج لبعض الافكار الشاذة، أو لبعض الممارسات غير القانونية مثل الاتجار بالبشر وارتكاب الجرائم الخطيرة. ولكننا نقول: إن هذا قدرنا كون دولتنا تقع بين الشرق والغرب وبالتالي فهي تدفع ضريبة موقعها وانفتاحها ووجود العديد من الجنسيات على أرضها.

إن تلك الجهات الخارجية التي تتهمنا بالاساءة لحقوق الانسان يجب أن تدرس طبيعة مجتمعنا وتلك العلاقة السلسة بين الحاكم والمحكوم قبل أن تدس رأسها في ملفات شائكة لا تفهم فيها شيئاً. فهناك إجماع عالمي على أنه من حق أي دولة أن تتخذ من الإجراءات ما يكفل لها حماية أمنها القومي، الذي هو أمن الجميع. ولولا ذلك التيقظ من قبل الجهات الأمنية لكانت البلاد الآن مسرحا لعمليات مشبوهة كثيرة.

ولكن ما يحيرنا فعلا في قضية حقوق الانسان هو الدور الذي تقوم به تلك المجموعات والمنظمات الدولية والتي تعتقد أنها تعمل لصالح المواطن الإماراتي لتعيد له حقه المسلوب وآدميته التي انتهكت. نقول لهولاء: شكراً على ذلك الموقف فنحن في غنى عنه.

فالمواطن الإماراتي لو خير بين العيش في بلادكم والتنعم بنعمكم الفكرية والحضارية أو البقاء في الإمارات لفضل الخيار الأخير. ليس هذا هو خيار المواطن فقط بل هو أيضا خيار غالبية الوافدين لبلدنا، والذي قدم بعضهم من دول عريقة في الديمقراطية وتطبيق حقوق الانسان. فليس ما يجبرهم على البقاء عندنا هو مستوى الحياة الاقتصادية فقط، بل هو مستوى الاحترام الذي يلقونه من قبل المجتمع والقيادة معاً. فلولا ذلك الاحترام لهم ولآدميتهم وصيانة حقوقهم لما بقي أحد عندنا.

من جهة أخرى، لو تساءلنا عن ماهية الحقوق التي تدفع عنها تلك المنظمات الدولية وتروج لها وتتهمنا بانتهاكها: هل هو حق التعري على الشواطئ وممارسة الأفعال الخادشة للحياء، أم هو حق استهلاك الممنوعات؟ هل هو حق تعريض أمننا القومي للخطر عن طريق الانضمام لمجوعات إرهابية تحاول النيل منا وتعريض استقرراتنا وسلبنا حرياتنا الشخصية، أم هو حق إثارة الرأي العام وتعريضنا لفتنة من الصعب كبح جماحها لاحقا؟ هل ما تدافع عنه تلك المنظمات هو الحريات الفكرية التي لم يعرف أصحابها كيفية توظيفها، أم تدافع عن الحريات الشخصية التي يحاول أصحابها خدش مشاعرنا وحيائنا بها؟

ترى أي نوعية من الحريات الفكرية تروج لها تلك المنظمات؟ هل هي حرية الإساءة الى الأديان وسب الانبياء أم هي حرية كتابة وترويج بعض الافكار الهدامة التي تعرض مجتمعاتنا للتفكك والدمار؟ أفكار كثيرة تدور في رأسنا ونحن نتابع محاولات تلك المنظمات إثارة مشاعرنا ضد بعضنا وخلق نوع من التميز وإثارة البلبلة. ألم تصل تلك بعد الى قناعة بأنها بعملها هذا إنما تسلبنا نحن حرية الرأي وتحاول أن تقود الرأي العام عندنا الى اتجاه معين ومسار معين تتحكم فيه هي؟

الم يكفها ما جرى في العراق ومصر وبلدان أخرى كثيرة من جراء خروج مساحة الرأي عن إطار المعقول واستغلال البعض لها لتحقيق مآرب وغايات شخصية؟ هل تجهل تلك المنظمات حقيقة ما يدور في المجتمعات العربية ومدى استغلال البعض لمساحة الحريات العامة لتحقيق ما يريدون تحقيقه، أم إن تلك المنظمات تريد لنا أن نصبح كغيرنا نساق الى حتفنا كي يهنأ غيرنا بخيرات بلدنا وبنتيجة ما حققناه؟ إننا لا نريد أن نساق فكريا كالنعاج. فنحن قد وصلنا الى مستوى فكري نستطيع أن نفرق بين الحرية والسجن، بين الانعتاق والقيود، وبين السوق كالنعاج وبين الانطلاق كالطيور بكل حرية ودون أي عقبة او قيد.

إن تلك المنظمات مدركة أن تقاريرها تلك قد تلعب دوراً معيناً في الإساءة إلينا خاصة وأن العالم بصدد التصويت قريبا على اختيار دبي والإمارات ككل لاستضافة إكسبو والكثير من الفعاليات العالمية الأخرى. ولهذا أطلق التقرير في الوقت المناسب، ولكن نحن على إدراك تام بغايات تلك الجهات، ولهذا سوف نقف صفاً واحداً في وجه كل من تسول له نفسه اضطهادنا فكريا وسلبنا حق تقرير المصير.