ها هي السنوات تمر علينا بذكرياتها الحلوة والمرة، ونتعلم منها ما هو مفيد لنا في الحاضر والمستقبل، وقصة الفقيد الشهيد الوزير الدكتور سيف بن غباش من القصص التي مازلنا نتعلم منها ونأخذ العبر من احداثها، فهي من القصص الإماراتية المشهود لها في الكفاح والصمود والتضحية وايثار النفس والصبر للوصول بالإمارات الي ما تطمح اليه.
خلال السنوات الماضية من كتابتي في الصحف المحلية واعطاء المحاضرات للطلبة والطالبات من مختلف الفئات سواء في الجامعات او المدارس او المراكز الصيفية، و خلال حديثي مع الطلبة عن المرحوم سيف بن غباش تبين لي ان الكثيرين من الأجيال الجديدة لا يعرفونه، اللهم من خلال المدرس المواطن الذي يهتم بالهوية الوطنية وينميها لدى الأبناء من خلال التركيز على الشخصيات التي كان لها دور في بناء صرح الإمارات العظيم.
التقيت ذات مرة مع الدكتور سليمان موسى الجاسم مدير جامعة زايد في مكتبه في الجامعة وكان معي ولدي احمد طالب الشامسي الذي يدرس في الولايات المتحدة الأميركية، ودار بيننا حديث شيق قال فيه الدكتور سليمان " لقد كنت احد اعضاء السلك الدبلوماسي بعد الانتهاء من تعليمنا انا واخي محمد رحمة الله عليه، فحظيت بتعييني في وزارة الخارجية.
وكان المرحوم سيف غباش في تلك الايام وكيل وزارة الخارجية، ولقد عرف عنه طوال حياته الصمود والكفاح والتنقل من بلد لبلد فتطبعت شخصيته بخليط من طباع البلاد التي ذهب إليها وتركت أثرا واضحا في جوانب من شخصيته.
وكل تلك المراحل التي مر بها كانت تعني التغير والتعلم، فقد تلقى تعليمه في البحرين وعمل في الهندسة في الكويت، ودرس في بغداد، وتشرب في القاهرة وبيروت بشعارات القومية العربية، وفي النمسا عشق الموسيقى الكلاسيكية، وفي فرنسا تعلم الفرنسية، وفي المانيا تعلم الألمانية، وحصل على الماجستير والدكتوراه من روسيا، ولم تكن مسيرته مفروشة بالورود، بل بكثير من الكفاح والصمود والعصامية".
ويستطرد دكتور سليمان الجاسم قائلا " بعد هذه الرحلة الطويلة التي استمرت اكثر من عشرين عاماً عاد سيف بن غباش الي وطنه سنة ١٩٦٩ وعين رئيسا لقسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة ثم ما لبث ان شاهده المرحوم الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة سابقاً عندما سافر الى ايران واصطحب سيف ضمن الوفد الذي تشكل للدفاع عن الجزر الثلاث التي كانت قضيته الاولى.
ولم يمض وقت طويل حتى وصل خبره عند المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فانتقل من رأس الخيمة الى ابوظبي ليبدأ مسيرته الجديدة في التعاون مع اخوته الإماراتيين في تشكيل الاتحاد المبارك والمجيد، وفي سنة ١٩٧٣ تشكلت وزارة جديدة للشؤون الخارجية فتم تعيين سيف بن غباش اول وزير لها.
ويضيف الدكتور سليمان " لقد كان سيف انساناً وطنياً محباً لوطنه وعروبته وأمته، وكان يجمعنا مساء كل خميس في قصر الخبيرة لكي نتناقش في الامور الوطنية والسياسية، ولا تزال احاديثه في ذاكرتي واذكر من كانوا معنا أمثال معالي احمد خليفة السويدي والسفير احمد سالم مقرب والمستشار عدنان باجاجي وغيرهم".
لاحظت خلال حديثي مع الدكتور سليمان موسى الجاسم مدى حماسه ووطنيته في الحديث حول الراحل سيف بن غباش، وكأنه يتحدث عن الوطن مجسدا في شخص، ولا حظت مدى تأثير شخصية الراحل العظيم على شخصية الدكتور سليمان الجاسم، هذا الجيل الذي تشبع بالوطنية وحب الوطن والولاء التام له، هؤلاء السفراء والدبلوماسيون الذين حملوا أمانة تقديم دولة الإمارات الحديثة للعالم، فكانوا بالفعل أمناء وفيين لأماناتهم في المحافل الدولية، وأكد الدكتور الجاسم على ضرورة تدريس مسيرة حياة الراحل العظيم سيف بن غباش للطلاب في مدارسنا وجامعاتنا، كما طالب بأن تؤسس جائزة باسم " سيف بن غباش" تمنح لأبناء الوطن المهتمين بتاريخ دولة الإمارات.
لقد رحل عنا سيف بن غباش يوم ٢٥ اكتوبر ١٩٧٧ لكن ذكراه باقية في قلوب كل من يحب هذا الوطن ومن ساهموا بإخلاص في بنائه.