أوّاهُ يا أرضَ الحرائقِ والسّمومْ

البحرُ أحنى من ضِفافِكِ، والشراعْ

أذرى إليَّ من الصنوبرِ يا بحارْ

الملحُ فيكِ ألذُّ من عِنبِ الدوالي في المدينةْ

فخُذي شراعي يا رياحُ، خُذي السفينةْ

سأعيدُ للدُّنيا حديثَ "السندبادْ"

ماذا يكونُ السندبادْ؟

هكذا وصف "سيزيف" الكويت رحلة البحار الكويتي في ديوانه "مذكرات بحار"، الذي ما أن لاقى إعجاب كل من قرأه حتى أعاد إصداره مرة أخرى، ولكن باسمه الحقيقي هذه المرة؛ "محمد الفايز"، الشاعر المبدع الذي رسم في ديوانه صوراً ومشاهد إنسانية مؤثرة عن الكويت القديمة، بكل ما في حياة البحّارة من معاناة وصراع مرير سجّله في لوحات ناطقة:

أمَسَكْتَ مِفْلقةَ المَحَارْ..؟

في الفجرِ مرتجفًا لتكتمِلَ القِلادةْ

في عُنقِ جاريةٍ تنامُ على وِسادةْ

ريشيةٍ في حُضْنِ سيدِّها، ورائحةُ المحارْ

بِإزارِكَ البحريِّ تعبَقُ، والبِحارْ

مملؤوةٌ درًّا سيملكُهُ سواي

كحقولِ تلكَ الأرضِ، يا دنيا العذابْ

ما ذاقَ مُرَّكِ مثل بحارٍ تقاذَفُهُ العُبابْ

هكذا عرفنا الكويت القديمة في "مذكرات بحار" التي تحولت عام 1979 إلى أوبريت غنائي، قام بتلحينه الفنان غنام الديكان، وأبدع في أدائه كأجمل ما يكون الأداء كل من شادي الخليج وسناء الخراز.

وعندما أنعم الله على الكويت بالثروة، وتدفق الخير من باطن أرضها، وحولته إلى نهضة تعليمية وحضارية وفنية، لم تنغلق الكويت على الداخل وتحتفظ بنهضتها وثروتها لنفسها، بل انفتحت على الخارج، وانطلقت تبحث عن الأخ والشقيق الذي لم ينل حظه من التعليم والخدمات الصحية وغيرها، فكانت صور أمراء الكويت "عبدالله السالم الصباح" و"صباح السالم الصباح"، عليهما رحمة الله، تتصدر أغلفة الدفاتر التي كان طلبة بلدان عربية أخرى يكتبون فيها دروسهم، ويحلون فيها واجباتهم، وكانت مناهج الكويت التعليمية هي التي يتلقى الطلبة في بعض البلدان تعليمهم وفقها، قبل أن يضعوا لأنفسهم مناهجهم الخاصة.

وكانت قصائد الشعراء الكويتيين أمثال "فهد العسكر" و"أحمد السقاف" و"يعقوب الرشيد" من أوائل ما حفظ أولئك الطلبة من شعر، وهم صغار يتذوقون الأدب، ويكتشفون عوالم الشعر الجميلة.

لم تكتف الكويت بنشر التعليم فقط خارج حدودها، بل عملت على الاهتمام بالصحة أيضاً، فأنشأت المستشفيات، وأرسلت البعثات الطبية، وكانت "مستشفيات الكويت" في العديد من البلدان شواهد على الحس الإنساني الكويتي.

وليس مجرد الكرم الذي لا يختلف اثنان على أنه من شيم أهل الكويت وطبيعتهم المعروفة للجميع، كما كانت "مكاتب الكويت" في الخارج هي التي تشرف على تقديم هذه المساعدات لشقيقاتها، حتى وقفت هذه الشقيقات على أقدامها، وشقت طريقها، كما فعلت الكويت قبلها.

ولأن الإعلام الكويتي كان رائداً في المنطقة العربية بشكل عام، وفي منطقة الخليج بشكل خاص، فقد ساعدت الكويت شقيقاتها على دخول هذا المضمار، بإنشاء قنوات تلفزيونية في بعضها، واستقبال الكثير من أبنائها لتدريبهم علي مختلف فنون العمل الإعلامي ووسائله، وقدمت لها خلاصة خبرتها بإيفاد مذيعيها ومخرجيها وفنانيها إليها، وسيطرت الدراما التلفزيونية الكويتية ردحاً من الزمن على الساحة، فكانت المسلسلات الكويتية هي ملح الدورات البرامجية في تلفزيونات الخليج، وكان الجميع ينتظرون جديد الأوبريتات الغنائية الكويتية.

وكان ممثلو الكويت وفنانوها هم نجوم المنطقة كلها. كما كانت الكويت رائدة في إقامة المهرجانات التلفزيونية في منطقة الخليج والعالم العربي، حيث كان "مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون" الذي أقيمت دوراته الأولى في الكويت يستقطب نجوم الفن والإذاعة والتلفزيون في العالم العربي كله، وكانت الكويت تحصد أغلب جوائز مسابقات المهرجان وأهمها.

وكانت الديمقراطية واحداً من المجالات التي تميزت فيها الكويت عن شقيقاتها من الدول الخليجية والعربية، وكان دستور الكويت الذي تمت صياغته ووضعه في عهد أميرها الراحل "عبدالله السالم الصباح" أوائل الستينات من القرن الماضي واحداً من الدساتير التي تحلم كثير من الشعوب العربية بالعيش في ظلها، لأنه كان دستوراً توافقياً بين القيادة والشعب. ورغم كل العواصف والمحن التي تعرضت لها الكويت، فقد خرجت من هذه المحن أكثر قوة وصلابة وقدرة على الصمود والتحدي والنهوض من جديد، وليس أكبر من محنة الغزو والاحتلال التي تعرضت لها الكويت.

وكانت اختباراً قاسياً لقيادتها وشعبها، وتهديداً لوجودها. نحن نتحدث عن الماضي لنقول إن هذه هي الكويت التي أحببناها وعرفناها رائدة في كل مجال.

واليوم، ونحن نشاهد ما يجري من أحداث تجاوزت حدود الاختلاف الديمقراطي الذي اعتدنا رؤيته، فإننا لا نشعر بالقلق على الديمقراطية الكويتية التي سيحميها حكماء الكويت وأهلها المخلصون، قدر ما نشعر بالقلق على اللحمة الكويتية ونحن نستمع إلى الخطاب الطائفي الذي بدأ البعض يستخدمه في إدارة الحوار وتوجيه دفته بالشكل الذي يتوافق مع توجهاته ومنهجه الذي يجد له أرضاً خصبة.

في ظل هذا المناخ المشحون بالتوتر، الذي تغذيه صراعات الربيع العربي ومحاولات البعض للاستحواذ على السلطة، وانتهاز هذه الفرصة التاريخية للانقضاض عليها واقتناصها، حتى لو كان الثمن هو استقرار الكويت، وحتى لو كانت الوسيلة هي إشعال الحرائق فيها، لتكون النتيجة هي تهديد أمنها وسلامها الاجتماعي.

رب قائل يقول إن هذا حديث عاطفي أكثر منه سياسي، ونقول إن هذا صحيح، لأن الكويت الوطن تحتل في قلوبنا ووجداننا مساحة أكبر من كويت السياسة، لذلك لا نريد للكويت التي عرفناها على مدى التاريخ واحة للتسامح والتفاهم والتوافق بين قيادتها وشعبها أن تنجر إلى هذا الصراع، وهي لن تنجر إليه بإذن الله تعالى، لأن الكويت أكبر من كل الأحزاب والطوائف والجماعات والانتماءات والأجندات ومشعلي الحرائق.

الكويت هي أرض المحبة والتوافق والوئام. الكويت لن تكف عن العطاء، وشعب الكويت المخلص الوفي لن يقف مكتوف الأيدي، كي يعيد للدنيا حديث السندباد:

ماذا يكونُ السّندبادْ؟

شتّانَ بينَ خيالِ مجنونٍ وعملاقٍ تراهْ

يطويْ البحارَ على هواهْ

بحبالِهِ.. بشراعِهِ

بإرادةٍ فوقَ الغيومْ

بيدٍ تكادُ عُرُوقُها الزرقاءُ ترتُجِلُ النجومْ.