وفقاً لأحدث إحصاءات وزارة الإدماج الإسرائيلية، فقد سجلت هجرة اليهود من فرنسا إلى إسرائيلخلال الشهور الثمانية الأولى من 2012، تراجعاً بنسبة 13% قياساً بالفترة ذاتها من العام 2011..اذ هاجر الى اسرائيل في هذه الفترة 1331 شخصاً مقابل 1500 للفترة ذاتها من العام الماضي.
وفي بيانات أخرى عن جهاز حماية الطائفة اليهودية في فرنسا، ثبت أن الشهور المذكورة، شهدت تزايد منسوب ما يدعى بحوادث العداء للسامية، التي تستهدف هذه الطائفة بمعدل 45%.
هذه العلاقة العكسية، بين ما يعتقد أنه اضطهاد لليهود وبين هجرتهم الى اسرائيل، تتجافى كليا وما تزعمه الصهيونية بأن " أرض الميعاد هي الحل النهائي للمسألة اليهوديةأو العداء للسامية ..".
نحن بصدد حقائق مثيرة.. ومع ذلك فان علينا وأهل الاختصاص متابعة هذه العلاقة.. فإن تواترت بتكرارية ملحوظة في المجتمعات التي تضم طوائف يهودية، تأكدنا مجددا من قناعة تستحق الاستذكار والتعميم وربما التقنين.. هي انتفاء دعوى حاجة اليهود إلى وطن قومي بذريعة تأمينهم من غوائل مزاعم الاضطهاد المصبوب عليهم في مجتمعاتهم الأم.
والحق أن مستنيرين يهودا، فضلا عن قامات فكرية مرموقة من الشرق والغرب، من العاطفين على التطور الديمقراطي الحقيقي ومقاومة التمييز العنصري، توصلوا قبل مئة عام أو يزيدون الى هذه القناعة . وحين كان تيودور هرتزل وبطانته من الصهاينة الأوائل، ينادون بالحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كان هناك من نددوا بهذا الحل الانعزالي واستنكروه، مطالبين بضرورة انخراط اليهود جنبا الى جنب مع مواطنيهم في مختلفالمجتمعات، لأجل الحل الديمقراطي الإدماجي لليهود وسواهم.
من دواعي الأسى أن الدعوة الصهيونية تمكنت من الظفر على أصحاب هذا الحلالكفاحي الإنساني التسامحي، مستغلة في ذلك مطامع القوى الاستعمارية التي ردفتها بأسباب القوة المادية والمعنوية اللازمة.. ولم يتورع هذا التحالف الصهيوني الاستعماري البغيض عن افتعال الجرائم العنصرية والحوادث الإرهابية ضد اليهود القارينفي بعض المجتمعات، بهدف اقناعهم بأن خلاصهم وأمنهم الذاتي لن يتحققا الا بالهجرة الى "أرض الميعاد".
حدث هذا مثلا عبر اضطلاع الاستخبارات الصهيونية،قبل 1948 وبعده، بعمليات اجرامية ضد يهود العراق واليمن، لاثارة "ذعر فئوى جماعي" في أوساط الهود العرب عامة، بما يسوقهم، وقد ساق معظمهم فعلاً، للهجرة إلى " أرض إسرائيل ".
في غمرة هذا التوجه، أسقط هؤلاء من حساباتهم الجهنمية الآلام والشرور التي تسببوا في وقوعها لأصحاب هذه الأرض من الفلسطينيين وجوارهم القومى العربي، وانتهاكالسلم والأمن فى رحاب الشرق الأوسط، بل ووضع العالم برمته على صفيح ساخن.هذا علاوة على ادمان القلق وقلة الراحة التي وقع المهاجرون في اسارهما، بعد أن تحولوا الى مستوطنين؛ محتلين لبلد وراءه من يطالبون لهم بحقوق تاريخية وقانونية وارث حضاري متجذر فيه.
لعل وعي يهود فرنسا بهذه الحقائق أحد العوامل التي جعلت بعضهميفصلون بين مزاعم اللاسامية ورد الفعل الذي تبتغيه الصهيونية، أي الهجرة الى اسرائيل. فالهجرة في جوهرها سلوك استعماري استيطاني وليست مجرد بحث عن ملاذ آمن لقوم غير آمنين.
من المؤشرات التاريخية ذات الدلالة في هذا السياق، أن الثورة الفرنسية (1789) أصدرت بعد عامين فقط من قيامها قانوناً لتحرير اليهود ومنحهم حقوقا مساوية لغيرهم من المواطنين .. لكن النزوع الاستعماري للنخبة الفرنسية "الثورية"الحاكمة، تغلب على الأبعاد الديمقراطية والانسانية للثورة، لدرجة أن يتولى نابليون بونابرت، بعد أقل من عشرة أعوام على سن ذلك القانون، دعوة اليهود الى انشاء دولة لهم في فلسطين، تكون تابعة لفرنسا وخادمة لأطماعها في الشرق، وقاعدة لقطع طريق الهند على المنافس البريطاني.
التناقض واضح هنا بين مساعي دمج اليهود ديمقراطيا في مجتمعاتهم ونبذ عوامل اضطهادهم، وبين اتجاه عزلهم عن تلك المجتمعات بدفعهم الى وطن يقام لهم في الشرق. وقد كانت القوى الصهيونية عونا لأصحاب الاتجاهالانعزالي ضد مساعي الدمج .. وفي هذا المضمار، دأبت دوما على تكثيف الأضواء على مظاهر اضطهاد اليهودداخل أوروبا وخارجها، وتزيين فكرة الهجرة الى "الملاذ الاسرائيلي".. وهذا أحد أعمالها القبيحة الذي مازالت عاكفة عليه الى هذا اليوم.
غير أن خطاب هذه القوى يوشك فيما يبدو على فقدان بريقه وجاذبيته، بالنظر الى التعاكس المشار اليه بين تصاعد ما يسمى بموجة العداء للسامية وبين ضمور معدل الهجرة الى اسرائيل في المثل الفرنسى. والظاهر أيضا أن يهود فرنسا لاحظوا أن تصاعد "العداء للسامية" قد تزامن مع صعود مواز لما يسمى بالاسلاموفوبيا وحالات التعدي على مواطنيهم من المسلمين. وعليه، ربما أدركوا أن عليهم النضال المشترك ضد التطرف والتمييز بكافة أنماطه، وليس الهروب بعيداً الى الحل الصهيوني البغيض.