جلس الشحّاذ الأعمى على أحد الأرصفة المكتظة بالمارّة وبجانبه لوحةٌ مكتوبُ بها: "أنا أعمى.. ساعدوني"، بقي منديله الذي فرشه لنقود المتبرعين دون رنين لتلك القطع المعدنية التي بمقدورها أن تسد رمقه ذلك اليوم، ولبث فترةً من الزمن قبل أن يسمع شخصاً يقول له بعد أن ألقى له ببعضٍ منها: "
هل تسمح لي أن أغيّر المكتوب قليلاً؟"، لم يكترث الشحّاذ كثيراً لذلك وتركه يكتب ما يريد، وما هي إلا دقائق وإذا برنين النقود يزداد وقعه على منديله بصورةٍ ملحوظة، فتملكه الفضول ونادى أحد من تصدّق عليه أن يقرأ ما هو مكتوب في اللافتة، فقال له: "مكتوب نحن في فصل الربيع.. لكنني لا أستطيع الاستمتاع برؤيته"!
للأسلوب البلاغي الجميل تأثيرٌ مختلف عن الأسلوب الإنشائي المُمل، وعندما تُلبَسُ الجُمَلُ حُللاً جديدة ومشوّقة يكون لوقعها أثر السحر في نفوس المتلقين، فالقالب الجميل مهم لإبراز جمالية المضمون وإعلاء قيمته.
والحال ذاته ينطبق على أغلب ما حولنا من العالم المحسوس، لذا تتفنّن الشركات في تصاميم عُلب منتجاتها، وتتأنقُ المحلات الشهيرة بالذات في طريقة عرض ما لديها وألوان الخلفيات المستخدمة وزوايا الإضاءة المسلّطة على البضائع المعروضة لتبدو في أجمل حُلّة لتقطع أقرب طريق لعين الزائر وقلبه قبل أن تصل لمحفظته!
ما دعاني لهذه المقدّمة حالُ أعيادنا مقارنة بأعياد غيرنا، فرُغم أنه لا يوجد في شريعتنا المطهّرة سوى عيدين إلا أننا لم نُفلح في تقديمهما في قالبٍ يليق بهما ويُقدّم بديلاً شرعياً لأبنائنا بدلاً من أن يشعروا بغُصّةٍ وهم يرون الصورة المبهجة التي تخرج بها احتفالات الكريسماس كل عام وما يُماثلها من أعياد الفصح والشكر والقدّيسين وغيرها من المناسبات التي لا تنتمي لنا لكنها بدأت تغزو كل شبرٍ في هذه الأرض تقريباً، والحالة البائسة التي تركنا أعيادنا بها والإهمال الكبير لتعزيز جانبٍ ترفيهي يُضاف للجانب الروحي للمناسبة ويُسهمُ في ربط الأجيال الناشئة أكثر فأكثر بشعائرها ومناسباتها العظيمة!
إنّ الطفل لا يرى سوى (العيدية) شيئاً ذا بال خلال أيام العيد، ففي الفِطر لا يرى إلا موائد مليئة بأصناف الطعام ومن حولها يأكل بنهمٍ وكأنّ رمضان سيعود في الغد، وفي الأضحى يرى في أشجار الغاف حول منزله وفي بيوت البعض خرفاناً مُعلّقة ودماؤها تسيل خلال ذبح الأضاحي، أمّا عدا ذلك فلا يوجد شيء مختلفٌ أو "يفتح النفس"، فماذا يمنعنا أن نُضيف بعض الرتوش الـتجميلية .
والتي من شأنها أن تجعل هذه المناسبة احتفاليةً ينتظرها الصغار بشغف ويحدثون أقرانهم عنها، وماذا يمنعنا من عمل رموز لكل عيدٍ منها تُبنى على أساسه أجواء الاحتفالية كلها، فعيد الفطر يمكن اقتباس مائدة طعام كرمزٍ له لكونه مناسبة انتهاء الصيام، وعيد الأضحى من السهولة بمكان اعتمادُ الأضحية نفسها كرمزٍ للحدث تماماً كما أصبحت شجرة الميلاد وحيوان الرنّة رمزاً للكريسماس والبيض الملوّن رمزاً لعيد الفصح والديك الرومي رمزاً لعيد الشكر!
ليست القضيّة تشبهاً بهم أو محاولةً لاقتفاء آثارهم، ولكن من المهم تطوير شكل مناسباتنا حتى تخرج في قالبٍ جديرٍ بها وكفيلٌ باحتفاء أطفالنا بأجوائها وتقديمها في إطار احتفاليٍ متكامل ومخطط على مستوياتٍ عالية، وعندما أؤكد على مصطلح الإحتفالية فإنّ المقصود هو احتفالية البيئة وأجواء البهجة داخل البيوت وفي أنحاء الـمُدن وفي تقديم الوجه الجميل للعيدين بما يُعزّز قيمته الروحية وصلته بحياتنا كمسلمين، وليس المقصود إطلاقاً احتفالية الحفلات الغنائية وما شابهها مما لا يتماشى إطلاقاً وقدسية المناسبتين.
علاوةً على ما تقدّم فإنّه بالإمكان الاستفادة من عملية تطوير قالب العيدين بصورةٍ مُثلى لتعزيز دورة الاقتصاد بما ستضيفه من زخم كبير للأسواق وتوجيه قوة شرائية كبيرة خلال هاتين المناسبتين كما هو الحال في الدول الغربية إذا أجدنا تقديمها في شكلٍ مميز يُضاهي طريقة تقديم تلك المناسبات الغربية الشهيرة.
فكما تشير إحصائيات عام 2008 في السوق الأميركية، فإنّ حجم سوق أشجار الكريسماس وحدها فقط يصل إلى مليار ومئة مليون دولار تقريباً، وساهم في خلق 100,000 فرصة عمل وتشجيع إنشاء 15 ألف مزرعة لهذه الأشجار، ثم قفز الرقم عام 2011 ليصبح 3.4 مليارات دولار تُنفق فقط لشراء أشجار الميلاد في أميركا لوحدها.
كما أنه في الفترة من أول نوفمبر حتى 26 ديسمبر 2011 أنفق الأميركان 35،3 مليار دولار لشراء هدايا الميلاد من خلال متاجر الإنترنت الافتراضية، و7.1 مليارات دولار يوم27 ديسمبر وحده، وبلغ إنفاقهم خلال مشتريات أسبوع عيد الشكر 53.4 مليار دولار، بينما تشير إحصائيات 2009 أن حجم سوق عيد القديسين (الهالوين) بلغ 5.8 مليارات دولار في أميركا، وأنفق الكنديون على سبيل المثال 331 مليون دولار فقط لشراء الحلويات فيه!
إنّه وكما نحتاج لملابس جديدة متأنقة خلال العيد، فإنّ العيد نفسه أولى أن يتأنق ويتألق بملابس تزهو به ويزهو بها، ولدينا من الطاقات الشبابية المبدعة ما بإمكانها تطوير قوالب جميلة لهذه المناسبة تبدأ من رمز أو شعار الاحتفالية وتُدرج في كنفها تقديم إطاراتٍ مبتكرة لأشكال الزينة وقوالب الهدايا وما يتعلّق بها، ولن يكون من الخطأ أن تُطرح مسابقة لأفضل فكرة أو تصوّر لمثل هذا التطوير المنشود، فالأمور الكبيرة تبدأ بمحاولة جادّة وإيمانٍ بجدارة الهدف الـمُبتغى، حينها سيكون الجو ربيعاً من حولنا وسنتمكن من الاستمتاع به حتى آخر لحظة!