إكتسب إقليم كردستان العراق شرعية الوجود السياسي كيانا قائما بذاته من خلال عقود من الصراع الدموي مع المركز بغداد ، وكُرست هذه الشرعية على أسس دستورية منذ سقوط النظام السابق عبر تمسك الإقليم بمواقف ندية لم تخل من مواجهات في مناسبات عديدة مع المركز. وفي الحالتين كان "التمايز القومي" عن بقية الشعب العراقي هو الجوهر في الفرز السياسي الذي حرصت القيادات الكردية على إدامته.

ومع أن الواقع السياسي في الإقليم ترسمه عدد من الأحزاب التي لها أجندات مختلفة إلا أنها لا تختلف حول جوهر القضية الكردية التي تتعلق بحق تقرير المصير سواء كانت هذه الأحزاب إسلامية أو يسارية أو قومية. إلا أن المعالم الرئيسية لسياسة الإقليم يرسمها فقط الحزبان الرئيسيان ، الديمقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني والإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الطالباني.

ولكن هذين الحزبين ، من ناحية أخرى ، على خلافات في قضايا عديدة تبرز للعلن أحيانا أو تتوارى لبعض الوقت إلا أنها كامنة هناك. وقد إتخذت هذه الخلافات مظاهر شتى منذ إنشقاق الطالباني عن الحزب الديمقراطي الكردستاني وتأسيسه ، بعد حين ، للإتحاد الوطني الكردستاني عام 1975.

وقد وصلت هذه الخلافات في بعض الأحايين حد الصدامات المسلحة حين أفرز الطرفان لنفوذهما مساحات جغرافية من الإقليم ، الإتحاد الوطني الكردستاني إتخذ من السليمانية عاصمة له والديمقراطي الكردستاني إتخذ من أربيل عاصمة له. ومع أن للخلافات المعلنة واجهات سياسية إلا أنها لم تخل من تأثيرات الجذور والإنتماءات القبلية والمناطقية. وحين توافق الطرفان لإيقاف الإقتتال بينهما كان التوافق حول تقاسم النفوذ في الإقليم وتناوب كل من الطرفين على رئاسة الوزارة.

إلا أن هذا الإتفاق قد تعرض لإختبارات عديدة في أجواء العملية السياسية المعقدة في العراق والدور الذي لعبه الإقليم في رسم خارطة التحالفات المثيرة للجدل التي تحكمت بمسار الأحداث.

والحقيقة أن ليس هناك ما يشير إلى أن الحزبين قد تركا هذه الخلافات وراء ظهريهما ، فهذه الخلافات لم تضعف بل توارت لفترة وبدأت تطل برأسها من جديد مع إزدياد حدة الإستقطابات والفرز السياسي والإثني والمذهبي في المنطقة من جهة ، وتصاعد الدور الذي يلعبه الإقليم في الساحة السياسية العراقية وإمتداد هذا الدور إلى بعض الدول المجاورة من جهة أخرى.

وقد فجر القرار الذي إتخذه رئيس الإقليم بالإصطفاف مع علاوي ومع الصدر للتصدي لرئيس الوزراء المالكي والعمل على حجب الثقة عنه في أبريل المنصرم الأجواء المشوبة بالخلافات.

بينهما حين رفض الرئيس الطالباني إستخدام صلاحياته الدستورية في إنتهاج الطريق الأقصر لذلك فأتاح بذلك المجال والوقت الكافي لرئيس الوزراء وللتحالف الذي ينتمي إليه للعمل على إفساد المحاولة وإجهاضها. ولعل من الإنصاف أن نذكر في هذا السياق بأن من الصعب الإدعاء بأن موقف الرئيس طالباني كان بدافع من كونه زعيما للإتحاد الوطني الكردستاني وليس بدافع من كونه رئيسا للعراق.

إن العلاقات المعقدة التي يرتبط بها الإقليم مع الدولة العراقية وخصوصية وجوده ككيان شبه مستقل في منطقة لا يتمتع فيها الكرد في بقية البلدان المجاورة للعراق الموجودين فيها بالحد الأدنى من الحقوق القومية كانت دائما نقطة ضعف تهدد أمن هذا الإقليم.

وقد كشفت هذه الأزمة عن خلافات أخرى جوهرية بين الحزبين إستجدت مع تسارع الأحداث في المنطقة تتعلق بمعالجة الملفات التي ترتبط بوضع الكرد في سوريا وعلاقات الحزبين التي يعتبرها البعض بمثابة تحالفات مع كل من إيران وتركيا. ويبدو أن الإتحاد الوطني الكردستاني الذي تراجع دوره في السنوات الأخيرة لصالح الديمقراطي الكردستاني قد أخذ المبادرة.

وبدأ بالتحرك بإتجاه إستعادة ذلك الدور. فقد أعاد علاقاته مع الكتلة المنشقة عنه "غوران" التي يتزعمها نوشروان مصطفى وهي الكتلة المعارضة الرئيسية في الإقليم والتي تمتلك 25 نائبا من مجموع نواب برلمان الإقليم البالغ عددهم 111 ، وإتفقا على تبني رؤية جديدة تتعلق بالزعامة على الإقليم وأسلوب بنائه وإدارته أبرز ما فيها هو تحول الإقليم نحو النظام البرلماني بدل النظام الرئاسي الذي ينتهجه في الوقت الراهن عبر إجراء تعديل في الدستور.

والحقيقة أن عودة هذه الخلافات من جديد تنذر بإتجاه الإقليم نحو الوضع الذي كان عليه قبل عدة سنوات من وجود قيادتين شبه منفصلتين ومناخ ينذر بإندلاع الصراع بينهما على الرغم من الإيحاء بعكس ذلك في اللقاءات شبه البروتوكولية التي تجري بين الحين والآخر بين الطرفين. ووضع كهذا يتمناه الكثيرون وقد يصفق له البعض داخل العراق وعلى حدود الإقليم خارجه لأسباب كثيرة معروفة .

وفي هذا خسارة كبيرة للشعب الكردي الذي لم تبذل قياداته ما يكفي من الجهد والمرونة لتوظيف سنوات الصفاء النسبي بين الكتلتين الكبيرتين في دفع الإقليم نحو المزيد من الإستقرار لتهيئته لتحقيق طموحات أكبر من ذلك.

إن عودة هذه الخلافات إلى الواجهة وربما تصاعدها ليس بالأمر المستبعد خاصة وأن هناك قضايا مصيرية مطروحة على الساحة ومنها إستقلال الإقليم عن العراق في دولة كردية مستقلة.

الخلافات بين الطرفين لا تتعلق كثيرا في التوجه الفكري والأيديولوجي الذي يتمايز بهما هذا الحزب عن ذاك ، وهو على أية حال ليس بالتمايز الكبير ، ولا في التحالفات الإقليمية التي في جوهرها متضاربة وهو أمر أكثر أهمية ، بل ينسحب ذلك إلى إطار صراع على المصالح الاقتصادية وعلى حجم النفوذ في حكومة الإقليم وفي الحكومة الاتحادية. ولا يمكن إستبعاد الدور الذي تلعبه الإنتماءات القبلية والمناطقية في إبقاء الصراع من جهة والتحكم في مساراته من جهة أخرى.

في الختام نجد من الضروري تذكير القيادات الكردية بما حصدته في الماضي من علاقاتها مع الدول المجاورة للإقليم التي تلاعبت على مدى عقود من السنين بمصالح الشعب الكردي والشعب العراقي عموما ولم تتوان عن عرضها في سوق المساومات السياسية. فليس في تلك التجربة ما يشجع للركون إليها من جديد ، فمصلحة الشعب الكردي والعراقي تتطلب الإبتعاد عن لعبة التحالفات الإقليمية.