تتمثل أطروحتي في سياق النقاش الدائر حاليا في الولايات المتحدة ، والتي أوردتها في كتابي الصادر حديثا "ثمن اللا مساواة" في أنه لم يقدر لأي اقتصاد كبير أن ينتعش من الركود من خلال التقشف قط، ولكن الأكثر من ذلك هو أن الزيادة الحادة في اللا مساواة، وبصفة خاصة في الولايات المتحدة التي شهدت أكبر هوة لا مساواة في الدول المتقدمة ، تعرقل مسيرتنا إلى الأمام، ونقص الطلب التراكمي الذي أسفرت عنه هذه اللا مساواة، يعد عاملا رئيسيا في عرقلة عودة الاقتصاد الأميركي إلى النمو.

وإذا أردنا التعبير عن هذه الأطروحة بشكل بسيط ، لقلنا إن أولئك الذين هم في القمة ، والذين تركزت الثروة في أيديهم ، ينفقون نسبة أقل كثيرا من دخولهم مقارنة بِأولئك الذين هم في القاع أو في الوسط. وهكذا فإن الطلب ينخفض. وإذا أردنا أن نستعيد النمو، وبالتالي أن نحقق التشغيل الكامل وعوائد ضريبة أعلى، فإننا بحاجة إلى علاج المشكلة الكامنة وراء هذا كله، وهي مشكلة اللا مساواة.

وقد يتساءل البعض عن سبب هذه اللا مساواة القائمة في المجتمعات المتقدمة، وبصفة خاصة في المجتمع الأميركي، وعما إذا كان هذا السبب هو التجارة ، أم التجديد التقني، أو السياسة الضريبية. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة تواجه تحديات العولمة، وانتزاع الوظائف التقنية تماما مثل الاقتصادات المتقدمة ألأخرى. ولكن جانبا كبيرا من مشكلة الولايات المتحدة، يتمثل في أنها تعاني من تفاقم اللا مساواة بسبب اختيارات السياسات التي تسمح ، بل وتشجع، السلوك الاقتصادي ل" السعي وراء الإيجار" عند القمة. وهذا السعي وراء الإيجار يشوه التشغيل الكفؤ للأسواق.

وعندما يتم فرض ضرائب على المكاسب العملية الناتجة عن المضاربة بمعدل يقل عن المفروض بالنسبة للتجديد ، فإن الموارد التي ستدعم الأنشطة المساندة للإنتاجية يتم تحويلها إلى المقامرة التي يضفى عليها الطابع الشرعي.

وتندرج في فئة السعي وراء الإيجار هذه سياسات الإقراض الوحشية والممارسات العدوانية للشركات المصدرة لبطاقات الائتمان.

هناك الكثير من الأمثلة الأخرى ، فالحزم التعويضية للمسؤولين التنفيذيين، التي تجيء على حساب حملة الأسهم والعاملين، تعد مثالا بارزا بهذا الصدد. وقد مارست شركات الأدوية ضغوطها بنجاح لمنع الحكومة الفيدرالية، التي تعد أكبر مشتر للأدوية، من التفاوض على أسعار أكثر انخفاضا للأدوية. وقوانين الإفلاس في الولايات المتحدة تعطى أولوية متقدمة على القروض الطلابية التي لا يمكن التخلص من سدادها حتى في ظل إشهار الإفلاس.

هنا يبرز سؤال محدد يدور حول طبيعة الخيارات السياسية التي يمكنها أن تبدأ في عكس هذه اللامساواة المتفاقمة في الولايات المتحدة.

في معرض الإجابة على هذا السؤال يتبادر إلى الذهن على الفور إمكانية البدء بتقنين ضريبي، وحيث أن جانبا كبيرا من الدخل المتزايد عند القمة يجيء مما أسميناه بالسعي وراء الإيجار، فإن تحصيلا أكثر تقدمية للضرائب، وبصفة خاصة الضرائب المفروضة على رأس المال، يعد أمرا ضروريا. وتفرض قوانين الإفلاس والتصدي للتكتلات خيارات سياسية يمكن أن تحدث فارقا. وهناك خطوة تصحيحية واضحة أخرى هي تقليص سلطة المديرين التنفيذيين في تقدير مكافآتهم.

وقد صدر حديثا كتاب من تأليف دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون بعنوان "لماذا تفشل الأمم" يذهب فيها المؤلفان إلى القول إن الولايات المتحدة تفقد الآن قدرتها الشهيرة على الاحتواء ومرونتها الاجتماعية، ويقول المؤلفان:" إن المشكلة هي أن اللامساواة الاقتصادية غالبا ما تأتي مقترنة باللامساواة السياسية، وأولئك الذين يحظون بثروة كبيرة وإمكانية الوصول إلى السياسيين وصناع القرارات بسهولة سيحاولون زيادة سلطتهم على حساب المجتمع. وهذا النوع من اختطاف السياسات هو طريقة لتقويض المؤسسات السياسية وبه تحدث تأثيرها بالفعل في الولايات المتحدة. وباختصار فإنه بعد حد معين ، فإن اللامساواة تهدد الإلتزام الحكومي الذي يعمل لصالح الجميع، وأنا أتفق تماما مع ما يقوله المؤلفان في هذا الصدد. وأعتقد أن تفكيرهما وتفكيري يسيران على خطوط واحدة.

إن اللامساواة الاقتصادية تولد اللامساواة السياسية والعكس صحيح. وإذا فإن الرؤيا ذاتها التي تجعل أميركا تتسم بالخصوصية المرونة الرأسية وإتاحة الفرصة للجميع- يتم تقويضها، ومبدأ شخص واحد صوت واحد يصبح دولارا واحدا صوتا واحدا. وهذه ليست ديمقراطية وإنما هي تحلل سياسي.