منحت جائزة نوبل للسلام 2012 الى الاتحاد الأوروبى لأنه »وحد أوروبا وحولها من قارة حرب إلى قارة سلام وقاوم النزعات العنصرية والتطرف ، وأسهم تاريخيا في الارتقاء بالديمقراطية وحقوق الانسان«.
من يتأمل مليا فى هذه الحيثيات ونحوها مما سيق بين يدي المناسبة ، يلحظ أنها تتصل بإكبار انجازات التجربة الوحدوية الأوروبية القارية الداخلية ؛ لاسيما على الصعد الأمنية والاجتماعية والفكرية الثقافية والحقوقية الانسانية، هذا على حين انها تكاد تخلو من الاشارة الى أدوار مماثلة لهذه التجربة فى عوالم الآخرين.
بالنظر الى هذه الملاحظة ، والى ان الجائزة تزامنت ووقوع الأوروبيين فى دائرة من الشكوك والهواجس حول مصير وحدتهم ، كليا أو فى بعض أبعادها ، يقال ، بأن لجنة نوبل أضمرت بخطوتها بعث رسالة تنبيه الى أوروبا لتبذل جهدها لأجل صيانة ما حققته حتى الآن ، والمضي قدما وتخطي جراح الأزمات الراهنة.
تتجلى حصافة هذا الاعتقاد فى ضوء تصور مفاده أن الجائزة هى فى أصلها منتج أوروبى، مايعنى أن الأوروبيين أرادوا منح أنفسهم مكافأة تشجيعية ، يستحثون بها أنفسهم على المزيد من نكران ذواتهم الوطنية والقومية وهوياتهم الثقافية الضيقة ، والتأكيد على المضامين الوحدوية القارية الجامعة؛ العابرة لهذه الذوات والهويات.
والحق أنه لاخوف راهنا على التوجهات الاتحادية الأوروبية من حدوث انتكاسات مفزعة ، تعود بالقارة الى أزمنة التشاحن والتباغض .
ويقيننا أن الأوروبيين لن يرتدوا بسهولة أو حتى بصعوبة على أعقابهم من الوحدة الى الفرقة. ومع ذلك ، لايجوز القطع ببراءة هذه التجربة من العيوب والنواقص.
كما أنه ليس صحيحا أنها اشتقت خطها البيانى الصاعد الواعد دون توفر مناخ دولى موات.
من آيات ذلك، مثلا وبلا حصر، أن الأشواق الوحدوية فى أوروبا الغربية، التى ألحت فور انتهاء الحرب العالمية الثانية واشتد عودها فى أوج الحرب الباردة، حظيت بدعم القطبين اللذين تسيدا قمة النظام الدولى وقتذاك، وان من منطلقات مختلفة وأهداف متباينة..
فالاتحاد السوفييتى تعشم من وراء تمريرها شق المعسكر الرأسمالى ، وتقوية احتمال خروج الأوروبيين من عباءة الهيمنة الأميركية.. بينما رعى القطب الأميركى تلك الأشواق وعززها بالمدد الاقتصادى( مشروع مارشال) والعسكري (حلف الناتو والمظلة النووية) ، متوسما حماية الحلفاء الأوروبيين ووقايتهم من رياح التيارات الشيوعية الزاحفة من الشرق.
وعلى سبيل الاستطراد الواجب ، لنا أن نقارن بين تعاطف جباري تلك المرحلة مع التجربة الأوروبية ، وبين تربصهما بالتجربة العربية الوحدوية القومية وقتذاك رغم سبقها التنظيمى.
القصد ، أنه كان لبيئة النظام الدولى المواتية فضل كبير فيما بلغه النموذج الوحدوى الأوروبى ، الى أن استحق نوبل لـ " السلام القارى".
ونحسب أن العامل الدولي ، الأميركي بالذات، مازال محتفظا بقوته وفعاليته فى تحديد سيرورة هذا النموذج ومصيره ، وبخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
يراودنا هذا التقدير وفى الخاطر ماذهب اليه بعض فقهاء التطور الوحدوى الأوروبى ، و ذلك منذ عقود، من أن اختبار نجاح الأوروبيين أو فشلهم فى اجتراح سياسة اتحادية لهم ، يتعلق بالمدى الذى سيرقى اليه نفوذهم فى تسوية الصراع الاسرائيلى العربى..
ذلك لتفاعل هذا الصراع فى جوارهم القريب ، ومناوشته بإلحاح لمصالح حيوية لهم اقتصاديا وجيواستراتيجية.
والبادى للعيان حتى الآن أن محاولات الأوروبيين فى هذا الاطار تراوح فى دوامة العجز ، قياسا باليد الأميركية العليا.
ولا ندري ما ان كان من قبيل الصدفة وحدها أن يتواكب فوز الأوروبيين بنوبل ، مع صدور وثيقة أميركية موجهة الى دولهم فرادى واتحاديين، تتضمن صيغة توجيهية شبه آمرة بما يتعين عليهم فعله، حيال المحاولة الفلسطينية الوشيكة للحصول على مقام دولة غير عضو بالأمم المتحدة. واللافت أنه لم يكد هذا "الفرمان" يصل الى الفرحين بنوبل ، حتى راحت بعض عواصمهم تصدع بما ورد فيه.
وكالعادة ، كانت لندن ،حصان طروادة الأميركى فى الديار الأوروبية ، الأسرع فى اظهار الانصياع والخضوع ، حين نصحت الفلسطينيين بالتريث فى مسعاهم ، والا تعرضوا لعقوبات مالية وسياسية ثقيلة.
الشاهد أن ميوعة السياسة الخارجية الأوروبية وطأطأتها للارادة الأميركية، تمثل أحد أبرز الأعصاب العارية للنموذج الوحدوي الأوروبي الفذ .
ولايليق بأوروبا ، بحجمها الاتحادى القارى وحضورها التاريخى وقوتها الاقتصادية والسياسية فى جهات المعمورة الأربع ، أن تفخر بنوبل للسلام الوادع فى رحابها، فيما يعانى جوارها من عدة حرائق، وهى حرائق ساهمت القارة العجوز ذات حين فى اشعالها ، واذا ما استمرت فى الاشتعال ، فلربما لا تسلم القارة العجوز من لظاها وحممها فى وقت أو آخر.