نظراً لطريقة تصرف الحكومة الصينية، في الوقت الراهن، فقد يوشك المرء على الاعتقاد بأنها تحولت إلى الديمقراطية. ففي مرات عدة خلال الأسابيع الأخيرة، تنازل مسؤولون حكوميون في مواجهة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة، فألغوا مشاريع صناعية لم تحظ بشعبية، أو أطلقوا سراح مواطنين سجنوا ظلماً أو اعتقلوا واحداً منهم بسبب سلوكه الذي يستحق الشجب.

وليست تلك هي الطريقة التي يفترض بدكتاتورية شيوعية أن تتصرف بها.

ويضم المثال الأكثر شهرة تانغ هوي من مدينة يونغتشو في جنوب الصين. وكانت ابنة تانغ، التي تبلغ من العمر 11 عاماً، قد اختطفت على يد مجموعة من البلطجية، وتعرضت للضرب والاغتصاب الجماعي، ثم أجبرت على ممارسة الدعارة لأكثر من ثلاثة أشهر. وذكرت وسائل الإعلام الصينية أنها خدمت زبوناً أو أكثر كل يوم.

وغني عن القول إن والدتها كانت مستاءة تماماً. وقد وبخت الشرطة بلا كلل، إلى أن قام رجالها أخيراً بإنقاذ ابنتها واعتقال الخاطفين. ولدى تقديمهم للمحكمة، غضبت تانغ مجدداً عندما تمكن أحدهم، وكانت تربطه صلة قرابة بمسؤول في الشرطة، من تجنب عقوبة الإعدام، بل وعقوبة السجن مدى الحياة، وهما العقوبتان اللتان نزلتا بشركائه في الجريمة.

وقد حكم عليه بالسجن 15 عاماً، مما دفع تانغ إلى الاحتجاج بصوت عال مرة أخرى. فقد كانت ابنتها، في نهاية المطاف، في المنزل، معاقة عقلياً، ومثقلة بالأمراض التناسلية، ومتضررة جسدياً بحيث لا يمكنها الإنجاب أبداً.

وبعد أن سئم المسؤولون المحليون هناك من تذمر تانغ المتواصل، اتهموها بـ"تخريب النظام الاجتماعي بشكل خطير، وممارسة تأثير سلبي على المجتمع"، وحكموا عليها بإمضاء 18 شهراً في مركز إعادة التعليم من خلال العمل الواقع في مدينتها. وهكذا تم إسكات مشاكسة أخرى.

وبطبيعة الحال، فقد تسللت هذه القصة إلى الخارج. فالصين لم تعد ذلك المجتمع المغلق الذي كانته سابقاً، ولكن ليس بسبب أي إجراء أقدمت عليه الحكومة. لا، فقد انطلقت وسائط الاتصال الاجتماعية بشراسة ليس لها مثيل. ومجرد موقع واحد شبيه بـ"تويتر"، أي "سينا ويبو"، يضم 250 مليون مشترك.

وفي المقابل، فإن "تويتر" (المحظور في الصين) يضم 500 مليون مستخدم على مستوى العالم. وقد أثار الحكم الصادر على تانغ عاصفة نارية من الرسائل الغاضبة وبمجرد أن طفت القصة إلى السطح، لم يتمكن حتى أكثر المسؤولين الحكوميين تشدداً من الوقوف للدفاع عن الحكم الصادر بحق الأم. و

بالتالي فقد أطلقوا سراحها. وكالة "شينخوا"الصينية الحكومية، قالت إن الحكومة المركزية أرسلت قوات شرطة إضافية إلى أرجاء البلاد خلال الصيف الجاري "لضمان الاستقرار" من خلال "تسوية النزاعات وحل الخلافات" قبل تغيير القيادة الوطنية في الخريف المقبل.

ولكن برأيي أن الصين ترتعد خوفاً من شعبها، فهي تخشى أن تزهر إحدى هذه الاحتجاجات المتكررة عبر الإنترنت أو في الشوارع ضد العدالة الجنائية الضالة، والانتهاكات البيئية، وغيرها من المهازل، فتتحول إلى انتفاضة واسعة مناهضة للحكومة، كما حدث في العديد من البلدان الأخرى على مدى الـ18 شهراً الماضية.

وربما تأمل قيادة الحزب الشيوعي في الحفاظ على مجتمع مستقر ومتناغم قبل التغيير الوشيك. ولكنها من خلال إبدائها الاستعداد للاستسلام، ألا تشجع شعبها أيضاً على الوقوف ضدها مرات أكثر وبقوة أكبر؟ فقضية تانغ، في نهاية المطاف، ليست القضية الوحيدة التي حدثت أخيراً.

فقد احتج ألوف الأشخاص على افتتاح مصنع ورق جديد في شرق الصين، عندما رأوا أنه تضمن خط أنابيب لرمي أطنان من النفايات السامة في المحيط، الذي يكسب منه الصيادون القرويون لقمة عيشهم. وقد انتشرت صور للاحتجاجات عبر موقع "ويبو"، فوافقت الحكومة على إغلاق المصنع.

وجاء ذلك بعد بضعة أسابيع من احتجاج سكان بلدة بمقاطعة سيتزوان على التلوث السام الذي من شأنه أن يصدر من مصنع مقترح لمعالجة السبائك المعدنية، عبر الإنترنت وشخصياً. وقد ألغت الحكومة المشروع.

ولكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة كان قرار اعتقال لي شينغونغ، وهو مسؤول بارز سابق في الحزب، بعد ضجة اندلعت عبر الإنترنت بسبب اتهامات بأنه اغتصب العديد من الفتيات الصغيرات. وكتب أحد مستخدمي موقع "ويبو" يقول: "هذه حال جميع المسؤولين هذه الأيام. والأمر مروع حقاً".

وهنا مجدداً، وبمجرد أن طفت الإدعاءات على السطح، لم يستطع مسؤولو الحزب تجاهلها ببساطة. ولكن القادة الصينيين، من خلال السعي إلى "الحفاظ على التناغم الاجتماعي" الآن - أي الإصغاء إلى الشعب والاستجابة لمخاوفه يشجعون شعبهم على توقع أكثر من ذلك بكثير.

وينبغي لشي جينبينغ، ولي العهد المفترض للحزب الشيوعي، أن يفهم هذا بالتأكيد. فهو، في النهاية، عندما كان صغيراً، شهد تعرض والده، الذي كان مساعداً موثوقاً في مرحلة من المراحل، للتعذيب والسجن على يد ماو تسي تونغ بتهمة التشجيع على الاعتدال.

وعندما يتولى شي منصبه، فإنه يجدر به أن ينظر حوله، ويدرك أنه ما لم يشجع التغيير، كما فعل والده، فإن هناك احتمالاً كبيراً بأن يرفضه شعبه.