ملّ الفلسطينيون انتظار قيام دولتهم على أرض محررة بموجب اتفاق أوسلو 1994 المثير للجدل. كان من المتوقع الانتهاء من إرساء دعائم الدولة قبيل انتهاء القرن العشرين. هذا لو صدقت النوايا والوعود الإسرائيلية، والدولية ذات الصلة. بدأوا يفكرون بخيارات أخرى منها ما هو منطقي وواقعي ومنها ما هو طموح وأقرب إلى اليأس.

إعلان قيام دولة فلسطينية مكتملة السيادة من جانب واحد هو أقرب إلى الانتحار السياسي والميداني في ظل الظروف الدولية والوقائع الميدانية الراهنة. الضفة الغربية والقدس الشرقية ترزحان تحت احتلال استيطاني يحاول إخضاع المنطقة برمتها لمفاهيم توراتية فاشية عنصرية.

في ظل غياب رادع محلي وإقليمي ودولي حقيقي سيقوم المستوطنون اليهود، أو حتى حفنة منهم!، بتقويض ما أُنجز من خطوات خجولة في سبيل قيام دولة فلسطينية؛ ذلك حتى لو حصلت على اعتراف دولي ذي شأن. الميزان الميداني يميل لصالح المستوطنين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ وحتى اجتماعياً سكانياً بعد أن ضخت إسرائيل أعداداً إضافية إليهم بعد توقيع اتفاق أوسلو.

إعلان قيام دولة فلسطينية تحت الاحتلال أسوة بالدول التي تعرضت للاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية ينطوي على الكثير من المخاطر. كالعادة فالولايات المتحدة تقف عقبة كأداء في وجه هذا التوجه اليائس. يزيد من تأزم الوضع اعتماد السلطة الفلسطينية شبه الكلي المطلق على المساعدة الأميركية، المالية والتقنية والإدارية.

أصلاً، وكغيرها من الكيانات السياسية الموجودة عبر العالم، فالسلطة الفلسطينية تفتقر إلى الاستقلال الاقتصادي والمالي، عدا عن السياسي والإداري. الدولة الفلسطينية تختلف عن الدول التي تعرضت للاحتلال النازي في أن الصراع الفلسطيني- اليهودي بات صراعاً على الوجود وامتلاك الأرض الواحدة، وليس على الحقوق السياسية والسيادة الوطنية.

على الدوام الإدارة الأميركية وإسرائيل تطلبان من الطرف الفلسطيني الذهاب إلى بيت طاعة القيادة الإسرائيلية الليكودية المتعنتة. يوهمانه بأن الحل للقضية الفلسطينية يبدأ هناك، وهناك ينتهي سلباً على أغلب الاحتمال. الطرف الإسرائيلي ينكر على الفلسطينيين حقوقهم الأساسية والوطنية، والثانوية والمكتسبة. ليس أدل على ذلك من الهجمة الأخيرة الجنونية الشرسة على مزارع الزيتون الفلسطيني؛ الأخير يمثل المصدر المقدس.

قطف الزيتون بالطريقة التقليدية يثير ضغينة المستوطنين اليهود؛ يرون أن هذه الظاهرة هي تقريباً آخر ما تبقّى للفلسطينيين في أوطانهم. ذلك بعد أن دمر الاحتلال دعائم الزراعة والصناعة والتجارة والتطور المدني وبشكل ممنهج على مدى عقود.

الذهاب إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة طلباً للحصول على اعتراف بكيان تحت الاحتلال سهل الحديث عنه والترويج له. لكن تطبيقه قد يضيف مرارة جديدة إلى الصمود والكفاح الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة. معظم دول العالم ذات التأثير السياسي المتواضع تتفهم الموقف الفلسطيني وتتعاطف معه وقد تذهب بعيداً وعلى الفور للاعتراف بالدولة.

لكن وفيما لو تأزم الوضع واشتدت الحاجة لدعم فعال وفوري أين يقف جل تلك الدول؟! هل هي قادرة على الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة للبدء بخطوات واقعية للتقدم باتجاه إنشاء كيان سياسي مستقل يقف على قدميه، مالياً واقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً؟!

دول العالم عموماً والدول العربية خصوصاً لديها من المشكلات المالية والسياسية ما يجعل وعودها للآخرين عبثياً لا جدوى منه عند الحاجة الملحة له. العالم العربي يقع بملء إرادته وفمه في ما يمكن أن يطلق عليه فخ ربيع التغيير. الدول العربية التي مر ويمر عليها الربيع حتى الآن تعاني الويلات، ويلات الفقر والفوضى وانهيار البنى التحتية وانحسار آفاق التطور الاجتماعي.

لا توجد عصيٌّ سحرية لدى حركات التغيير لتقديم مساعدات للكيان الفلسطيني المنشود؛ ذلك سواء أكان كياناً تحت الاحتلال أو جاء نتيجة مفاوضات مباشرة مع الطرف الإسرائيلي أو أُعلن عنه من جانب واحد. في النهاية فالاحتلال الإسرائيلي فريد من نوعه ويحتاج لأسلوب فريد من نوعه للتعامل معه، ملائم!