لا شك أن ما شهدته مصر في يوم الجمعة البائسة (الثاني عشر من أكتوبر الحالي) سوف يترك آثاره على مسار الأحداث لفترة طويلة قادمة. لقد أصبح واضحاً أن الطرق قد تفرقت برفاق الثورة، وأن الاستقطاب السياسي قد وصل إلى مرحلة خطيرة، وأن الصراع على السلطة قد أخذ البعض إلى مسارات بعيدة، وأن الثورة التي جاهدت لكي تحافظ على طابعها الأساسي بأنها "سلمية" و"مدنية".. قد دخلت دائرة العنف وأصبحت مهددة بحرب الميلشيات !!
لم يكن هناك مطلقاً ما ينبئ بهذا الصدام المحزن أو يبرره. كانت القوى المدنية قد دعت لتظاهرة تعلن فيها استياءها من نتائج المائة يوم الأولى في حكم الرئيس محمد مرسي، وتجدد مطالبتها بلجنة تأسيسية أخرى لوضع الدستور تكون ممثلة لكل الأطياف السياسية والمصالح الاجتماعية، وتشدد على ضرورة اتخاذ خطوات نحو العدالة الاجتماعية ونحو القصاص العادل للشهداء .
كانت المشكلة لدى جماعة الإخوان المسلمين أنها تشعر بالخوف من تعاطف الغالبية مع هذه المطالب في ضوء تواضع النتائج التي تحققت في المائة يوم الأولى من حكم مرسي . كما كانت الجماعة تتحسب كثيراً للتحالف الذي يقود التظاهرة والذي يعتمد أساساً على "التيار الشعبي" الذي يلتف حول حمدين صباحي، و"حزب الدستور" الذي يقوده الدكتور البرادعي. كان التفاهم بين هذين التيارين يشكل هاجساً عند"الاخوان المسلمين" لأنه يعتمد أساساً على قوى الشباب ويشكل قاعدة لجبهة قوية تواجه الاخوان والسلفيين. لهذا نال التنظيمان وقائداهما (حمدين والبرادعي ) النصيب الأكبر من هجوم الإخوان المسلمين في الفترة الأخيرة .
ومع هذا لم تكن هناك بوادر للصدام حتى قبل يوم واحد من موعد التظاهرة رغم صدور أحكام البراءة في القضية المعروفة بقضية موقعة الجمل. وهو الحكم الذي أثار موجة من الاستياء.
ثم أقدم الرئيس مرسي على خطوة مفاجئة بإقالة النائب العام عبد المجيد محمود وتعيينه سفيراً بالفاتيكان، في محاولة لاستغلال الحكم القضائي في التخلص من النائب العام وتحميله المسؤولية رغم ان النيابة العامة كانت بعيدة عن القضية ولم تكن هي جهة التحقيق فيها. ورغم ان الرئيس مرسي يعرف أن النائب العام يملك حصانة ولا يجوز عزله، ولا يمكن أن يبتعد لموقع آخر إلا برضاه أو باستقالته .
قرار مرسي بعزل النائب العام كان حد ذاته دعوة للصدام، لكن ما كان مستبعداً هو الأسلوب الذي تم به تنفيذ القرار والذي أدخل الحياة السياسية كلها في مسار جديد وخطير. حيث تم اللجوء للقوة منذ البداية، وتم تحطيم المنصة الرئيسية التابعة للقوى المدنية، وبدا أن الهجوم يتم من فصائل منظمة ومدربة لطرد القوى المدنية من الميدان . لكن هذه القوي قاومت، وكانت معركة دامية سقط فيها مئات الجرحى بعضهم إصاباتهم خطيرة، وفتح الباب للحديث عن"ميلشيات الإخوان" وكيف سيتم التعامل معها بعد الآن؟!
اضطر الرئيس مرسي للتراجع مرة أخرى عن قراره بإبعاد النائب العام بعد صدام مع الهيئات القضائية، وهو التراجع الثاني بعد قراره السابق بإصدار قانون أعاد به مجلس الشعب المنحل ثم حكم القضاء ببطلان قرار مرسي . واضطر الاخوان للانسحاب من ميدان التحرير بعد أن حملتهم كل القوي الوطنية مسؤولية ما حدث .
كانت خسارة الاخوان كبيرة، ولكن خسارة مصر أكبر. فقد أثبتت الأحداث أن الأمل في أن يقود الرئيس مرسي جهداً حقيقياً للمصالحة الوطنية يتوارى والأخطر من ذلك هو استخدام القوة في الصراع السياسي وعودة حديث الميلشيات الذي كانت مصر قد ودعته منذ سنوات طويلة .
لقد كان للاخوان تاريخ مع الميلشيات المسلحة أو "الجهاز السري". وفي الاربعينات من القرن الماضي برز الصراع بين ميلشيات الإخوان وميلشيات أخرى تابعة لأحزاب الوفد ومصر الفتاة . وتطور الأمر بعد ذلك إلى موجة اغتيالات شملت رئيس وزراء مصر يومها "النقراشي" وامتدت لتشمل القضاة مع اغتيال القاضي الخازندار. ولم يتوقف الأمر مع حريق القاهرة. بل استمر بعد ثورة يوليو لتكون محاولة اغتيال عبد الناصر والصراع الدامي الذي دار بين الثورة والاخوان .
الوضع الآن أخطر. فالحديث عن الميلشيات واستخدام القوة في الصراعات السياسية يبدو ضرباً من الجنون في ظروف تعربد فيها التنظيمات الجهادية المسلحة في أرجاء سيناء وتهدد بفقدان أي سيطرة على هذا الجزء العزيز من أرض مصر .
أسوأ ما يحدث الآن، أن البعض في دوائر الحكم أو تيارات الإخوان يتعاملون بكثير من الاستهانة مع أحداث 12 أكتوبر . وسواء كانت هذه الاستهانة حقيقية أم زائفة، فإنها في الحالتين خطيرة لأنها تعني أن عوامل الصدام ستبقى بلا علاج حقيقي، وأن الهوس بالاستحواذ على السلطة سيعمي العيون عن خطر انفجار الأوضاع في وجه الجميع.
ورغم ذلك كله.. تبقى الفرصة التي لن تنتظر طويلاً أمام الرئيس مرسي لإنقاذ الموقف. لكن ذلك يقتضي ان يترك "التخندق" في كهف الجماعة، وأن يخرج للفضاء الواسع الذي يضم كل القوى الوطنية التي شاركت في الثورة. أن يعود لمبدأ "المشاركة لا المغالبة" الذي تركته الجماعة عند أول فرصة للاستحواذ بالحكم وأول إشارة على الرضا الأميركي عن ذلك !!
الفرصة مازالت موجودة، ولكنها تتضاءل يوما بعد يوم، والبديل هو الصدام بين القوى الوطنية وانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة وفتح الأبواب للفوضى.. أو لعودة الجيش لإنقاذ الموقف !!
في أغسطس الماضي وعقب الإطاحة بالمشير طنطاوي ومجلسه العسكري، قلت إننا أمام توافق بين انقلاب كامل من الاخوان، ونصف انقلاب من الجيش على قيادته الهرمة .. أخشى أن الاخوان -بأخطائهم القاتلة وهوسهم بالاستحواذ على السلطة لا يفعلون شيئاً إلا تمهيد الطريق للنصف الباقي من الانقلاب!! يفعلون ذلك وهم يتحدثون عن حكم الشريعة، بينما يمارسون على الأرض- صراع الميلشيات!!