كيف يمكن لنا أن نحوّل موضوع التوطين من مادة لكُتّاب المقالات والأعمدة الصحفية، إلى قضية واقعية معاشة تفرض نفسها على الجميع، وإلى استراتيجية دائمة، يلتزم بها كل المسؤولين عن اقتناع راسخ، أو حتى عن عدم اقتناع إذا أصر البعض على اعتبارها قضية هامشية أو موسمية لا تستحق كل الاهتمام الذي تحظى به من قادة الوطن، ومن المسؤولين والكتاب الحريصين على مصلحة وطنهم وأبنائه؟

سؤال ربما يفتح الباب لأسئلة كثيرة، ويضع علامات استفهام حول ظواهر غريبة تحدث في ميادين العمل المختلفة، والحكومي منها بشكل خاص، باعتبار أن الحكومة معنية أكثر من غيرها بالتوطين، وباعتبار أن النسبة الأكبر من الفئات المسيطرة على القطاع الخاص هي من غير المواطنين، حتى لو بدا على السطح أن صاحب الرخصة التجارية مواطن أو شريك مواطن.

وفقا لما يفرضه قانون الرخص التجارية الذي يعلم الجميع، بما فيهم الجهات الحكومية المسؤولة عن هذا القطاع، أنه يطبق شكلا فقط، بينما لا يشكل المواطن سوى الجزء القانوني المطلوب لإصدار الرخصة التجارية، إذ ينحصر دوره في التوقيع على الأوراق الرسمية، واستلام مبلغ مقطوع لا يتجاوز غالبا خانة الأصفار الخمسة، بينما تبقى كل القرارات، بما فيها قرار التوظيف، بيد الشريك غير المواطن الذي تهمه مصلحته أكثر من مصلحة الوطن، وهذا أمر يقرره واقع الحال، وربما منطق الأشياء.

نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية، فنقول إن قضية التوطين لا تتمثل فقط في طوابير المواطنين التي نشاهدها في معارض التوظيف المختلفة، والتي يؤمها كل عام خريجون مواطنون مضى على تخرجهم سنوات عديدة، وهم يتنقلون من معرض توظيف إلى معرض توظيف.

ويطرقون أبواب الوزارات الاتحادية والدوائر المحلية، دون أن يجدوا فرصة عمل، نتفق جميعا على أنها حق واجب لهم في وطنهم الذي أنفق على تعليمهم من مرحلة الروضة وحتى تخرجهم من الجامعة، أو أنفق عليهم أهلهم، إذا كانوا ممن تلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات الخاصة، من باب حرص الأهل على تأهيل أبنائهم للحياة بشكل أفضل، باعتبار أن النظرة للتعليم العام حتى الآن دون المستوى المطلوب، وهذه قضية أُشبِعت نقاشا، أو باعتبار أن المدارس الحكومية لا تستطيع استيعاب كل هذه الأعداد من الطلاب، وهذه فرضية تحتاج إلى بحث ليس هذا مجاله.

إن نظرة على تقرير التنمية البشرية لإمارة أبوظبي، الذي أطلقته دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي بالتعاون مع البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة في الإمارات مؤخرا، تعطينا مؤشرات غير مطمئنة على سير عملية التوطين، رغم كل الجهود التي تبذلها الجهات المختصة بتعليمات من الجهات العليا. فالتقرير يكشف عن أن المواطنين لا يشكلون أكثر من 8.8% من حجم القوة العاملة في الإمارة.

وأن نسبة المتعطلين عن العمل بين المواطنين في إمارة أبوظبي وحدها، بلغت 11.6% عام 2011، وأن النسبة الأكبر من التعطل لدى حملة الثانوية العامة، بينما تمثل نسبة المتعطلين من حملة الشهادات الجامعية 15.6% من إجمالي المتعطلين عن العمل في الإمارة، مع الوضع في الاعتبار أن دخل الفرد في إمارة أبوظبي يعد الأعلى عالميا بين المواطنين وغير المواطنين على حد سواء، وفقا للتقرير نفسه.

هذه الأرقام، إذا ضممنا إليها توقع وزير العمل في الدولة أن يصل عددد المواطنين العاطلين عام 2020 إلى 250 ألف مواطن، تضعنا أمام حقائق يُفتَرض أن تكون مفزعة لنا جميعا، لكن ثمة حقائق أخرى مؤلمة موجودة بين المواطنين العاملين في بعض القطاعات الحكومية، الاتحادية منها والمحلية، ربما لا تجد فرصتها في تسليط الضوء عليها.

وهي حقائق لا تقل أهمية عن مشكلة البطالة بين المواطنين التي تتنامى، وفقا للأرقام والتوقعات التي قرأناها وسمعناها. فهناك طاقات وطنية معطلة، أو غير مستفاد منها بالشكل المطلوب، رغم وجودها على رأس عملها.

وهناك طاقات وطنية لا تجد فرصتها في الترقي واحتلال المواقع التي تستحقها، لأسباب يرجع بعضها إلى كون الجهات التي تدير المؤسسات التي تعمل فيها جهات خارجية، آخر ما يمكن أن يشغل تفكيرها ويشكل هما لها، هو الاستفادة من المواطنين الذين يعملون في القطاعات والمؤسسات التي تديرها هذه الجهات، وإعطاؤهم الفرصة لإثبات كفاءتهم والترقي في مواقع عملهم، كي لا يكون هذا مبررا للاستغناء عن هذه الجهات.

وإسناد إدارة هذه المؤسسات لأبناء الوطن الذين يستطيعون إدارتها بكفاءة لو أخذوا فرصتهم، بينما يرجع بعضها الآخر إلى سلبية بعض المسؤولين المواطنين أنفسهم، وعدم تشجيعهم للعنصر المواطن، كي يأخذ مكانه ووضعه، إما لعدم اقتناعهم بقدرات العنصر المواطن وكفاءته، أو لأسباب أخرى تتعلق بالخوف على مواقعهم الوظيفية.

أخيرا وليس آخرا، ولأن حديث التوطين يطول ويتشعب، فإن ثمة فئة من المواطنين العاملين في بعض القطاعات الحكومية والخاصة، سلبيون ومستسلمون للتهميش الذي يتعرضون له في الأماكن التي يعملون فيها، فهم لا يتحلون بروح المواجهة ومقاومة أولئك الذي يحاولون تهميشهم بحجة أنهم لا يصلحون للعمل، أو لا يستطيعون تحمل أعباءه. هذه الفئة، في رأينا، واحدة من المظاهر التي يجب أن نعمل جميعا على تغييرها، إذا أردنا أن نواجه مشكلة التوطين ونسبر أغوارها، من حيث الشكل والمضمون، للوصول إلى حلول ناجعة، تغيّر الأرقام والتوقعات التي تصدمنا من حين إلى آخر.