منذ 19 شهراً والأزمة السورية متفجّرة، وعدد الضحايا يتعاظم. فالمواجهات المسلّحة مستمرّة، ومن الصعب تقديم توصيف دقيق للوضع، فليست هناك وجهة نظر صادرة عن القوى الداخلة في الصراع، تأخذ في حسبانها شمولية الوضع وتعقيده.

بالتأكيد لا تمكن المناظرة بين السلطة والانتفاضة. فمن جهة، هناك نظام استخدم بإصرار كل أشكال العنف، ومن جهة ثانية هناك شعب يحاول إسقاطه ولم يتمكن حتى الآن من ذلك.

بعد تحديد هذا الإطار العام، ينبغي الذهاب أبعد في التحليل، وعدم الانجرار وراء الانطباعات. ولو كانت المعطيات سهلة، لكانت الأزمة قد وجدت حلاّ منذ وقت طويل.

والواقع أن النظام قد استمر ولم يسقط، حتى لو ضعف كثيراً، ولكن استمراره لا يعود فقط إلى قوّة النار الرهيبة التي استخدمها، وإنما أيضاً لكون أن هناك قاعدة اجتماعية ما لا تزال تسانده. وعلى العكس، يلاحظ أن الجزء من المعارضة الأكثر شهرة في وسائل الإعلام، أي المجلس الوطني، هو فريسة انقسامات داخلية حادّة، ولم يتوصّل إلى تمثيل مختلف مكونات المجتمع، لخلافات إيديولوجية وإثنية وطائفية.

الكثير من المعلّقين يقدمون رحيل بشار الأسد بمثابة الحل الذي يمكنه أن ينهي الأزمة، وبالتأكيد سيتحدد في لحظة ما مصير الدكتاتور، لكن من التوهّم الاعتقاد بإمكانية تسوية الوضع كلّه برحيله عن المشهد السياسي السوري. ولا بد من رؤية القلق المصيري الذي ينتاب الأقليات في المجتمع السوري، وفي مقدمتها العلويون الذين يخشون منذ ألف عام إبادتهم. وبدا وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 بمثابة ثأر من التاريخ، حيث تولوا المناصب الأساسية في السلطة مع حلفائهم المسيحيين والدروز.

العلويون، وفيما هو أبعد من المصير الشخصي لبشار الأسد، لا يريدون العودة إلى وضع التهميش الذي عانوا منه طيلة قرون. والمسيحيون يخافون من المصير الذي عرفه مسيحيو العراق بعد الإطاحة بصدام حسين. والأكراد السوريون، رغم انقسامهم الشديد، لهم مطالبهم الخاصّة.

تجدر الإشارة إلى أن العديد من الشخصيات في المجلس الوطني السوري، يرددون باستمرار أنه سيتم احترام حقوق الأقليات في إطار النظام الجديد، لكن دون التوصّل إلى إقناع الجميع بذلك. في مثل هذا السياق يبرز خطر أن يتكرر خلال الأشهر المقبلة، ما جرى في لبنان طيلة الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1985. من هنا يبدو أن الوصول إلى حل سلمي، هو وحده الذي يمكنه أن يؤدي إلى تجنّب مثل هذا السيناريو الأكثر خطراً.

وأمام الوضع الحالي تبدي المجموعة الدولية مرّة أخرى عجزها، فالإدارة الأميركية المأخوذة بالانتخابات الرئاسية ولا تريد إدارة وضع مثل النموذج الأفغاني أو العراقي، تكتفي، علناً على الأقل، بإطلاق التصريحات المبدئية، وقسم من الأوروبيين يكثر من التصريحات ويكتفي بالجوانب الإنسانية. لكن هذه المواقف المعلنة تخفي دعماً نشطاً للمعارضين، ويتركون فكرة سياسة تغيير النظام بالقوّة تتردد، مما قد يشجّع الأكثر تطرفاً من المقاتلين.

والجملة التي قالها قدري جميل في موسكو بتاريخ 22 أغسطس الماضي بحضور وزير الخارجية الروسي لافروف، وأشار فيها إلى أنه "لا شيء يمنع دراسة جميع المسائل، بما في ذلك مسألة رحيل بشار الأسد"، تكتسي أهمية كبيرة من حيث دلالتها. وموسكو هي الطرف الحاسم الذي يمكنه أن يحرّك الأمور سياسياً، وروسيا هي البلاد التي تحاول فتح الباب أمام حل تفاوضي فيما هو أبعد من الدعم الذي تستمر في تقديمه لنظام بشار الأسد. ثم إن القادة الروس يفضّلون المحافظة على جزء من جهاز الدولة، وتجنب أن تذهب الأمور إلى الفوضى العامّة في الأسابيع والشهور المقبلة.

وفي ظل عدم إمكانية تحقيق أي حل عسكري للوضع، يبدو أنه لا مناص من الحل السياسي. وبهذا المعنى تمثل روسيا عنصراً مركزياً في حل المعادلة المعقّدة المجهولة النتائج كثيراً، القائمة في سوريا اليوم.