يترجّل من سيارته الألمانية، مرتدياً ثوباً من القطن الإنجليزي ونعلاً إيطالياً، وتلمع في رسغ يده ساعة سويسرية، ليُيمّم شطر مقهى كندي، ويرمي بجسده فيه على كرسيٍ ماليزي، بعد أن يطلب قهوةً كولومبية من عاملٍ هندي. وبعد أن توضع أمامه قهوته الساخنة في قدحٍ صيني ويرتشفُ منها قليلاً، يُخرجُ هاتفه الكوري لينشر تغريدةً على موقعٍ أميركي تقول: "كفاكم افتتاناً بالغرب"!

لا أدري صراحةً لِمَ يحاول البعض اللعب بالكلمات ووضعها في غير سياقها؟ فسماحة المفتي أعلاه، وضع افتراضاً غير صحيح في إطارٍ كل ما فيه يُناقض ما طرحه أو أفتى به. فالـمَفتون هنا ليس منبهراً بقشور الغرب أو الشرق معه، بل التقدير لمخرجات تلك الحضارة ونتاجها الثري والنافع، سواءٌ كان ملموساً أو غير ملموس، وإن وضع المصطلحات في غير سياقها الصحيح يعتبر تشويهاً للكلمة، وتمويهاً للمتلقي الذي لا تنقصه الثقافة ولا سعة الاطلاع، وبإمكانه التمييز بين الراجح والمرجوح وبين المقصود وغير المقصود!

نحنُ لا نُمجّد الغربَ لذات الغرب، وإنما نُقدّر تفوقه في جوانب المدنية، وفي ريادته لعالم الصناعة والتجارة والزراعة، ومن ثمّ قدرته على التحكّم في ما حوله، وها هو الشرق قد لحقهم في ذات السباق. فبعد طفرة النمور الآسيوية، أتى التنين الصيني ليُعيد ترتيب الأسماء في دنيا الاقتصاد تحديداً، قبل أن نلحظ بزوغ نجم جديد انسلّ بين الجموع في هدوء، ليضع اسمه بين كبار الصنّاع العالميين وأكثرهم ابتكاراً، ألا وهو كوريا الجنوبية، فضلاً عن بقية دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، جنوب إفريقيا إضافة للصين) وأسواقها الصاعدة بسرعة ملفتة، للسيطرة على اقتصاد العالم بحلول عام 2050.

نحن لم نُفتن بقيم الغرب المنحلّة أو عقائد الشرق الوثنية، فلنا قيمنا وعقيدتنا التي لا ننسلخ عنها ولا نبتعد قيد أنملة. ولكن عقيدتنا ذاتها تأمرنا بأخذ الصالح من الآخرين، فالحكمة ضالة المؤمن، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. فحفر الخندق كان اقتباساً من حضارةٍ أخرى، وتبنّي نظام الكراديس كان محاكاة من خالد بن الوليد للتنظيم العسكري الروماني.

وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإنشاء الدواوين وتقسيماتها الإدارية لأول مرة، بل إن البحث عن الأفضل قد امتد ليشمل فعل كائناتٍ أخرى وتقليدها فيما تفعل في ذات الحوادث، كما جاء في القرآن على لسان قابيل: "قال يا ويلتى أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغرابَ فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين" (المائدة 31).

إنّ الاحتفاء ليس للون عيني الشخص أو شعره أو جنسيته، وإنما للمخرج الحضاري الذي أفرزه، وعندما نتحدث عن تجارب ناجحة لدى الآخرين، فإنها تشجيعٌ بأنّ النجاح ممكن وأنّ التفوّق على الواقع متيسّر، طالما أخذنا بالوسائل نفسها وامتلكنا الروح المتحديّة ذاتها، والتي لا ترى للطموحات سقفاً. فالحديث هنا دوماً عن "مفهوم الموافقة".

كما هو في علم الاصطلاح، فالأخذ بالطريقة نفسها والمدخلات ذاتها والتصميم ذاته لدى الناجحين، سيؤدي للنتيجة الإيجابية ذاتها. لكني أستغرب من إصرار البعض على أخذ مفهوم المخالفة، والقاضي بأنّ ما لم يكن أبيضَ فهو أسودُ لا محالة، وأنّ امتداحك للآخر هو ذمّ للذات.. فهذا شططٌ بيّنٌ في التفكير يحاول جرّ النقاش من كون الفكرة أو التجربة هي محور الحديث، إلى وضع طرف النقاش كمحور، فتضيع الفائدة المرجوة، وتغيب ثمرة الحديث في تقوّلٍ على النوايا لا موقع له من الإعراب، ولن يُساعدنا للحاق بالبقية المتفوقين ومنافستهم!

إنّ وضع افتراضٍ من تلقاء الذات على حديث الآخرين، ثم بناء نتائج مقصودة لذلك الافتراض المغلوط أصلاً، مزلقٌ يقع فيه البعض لأسبابٍ تعود له، في حين أن المتزن هو من يضع موقفه الشخصي بعيداً عن قضايا النقاش، حتى لا نقع في المحظور وهو رفض الفكرة المجرّبة أو إغفال الفائدة الممكن تحصّلها، فمنهجنا في ذلك هو قوله تعالى: "

ولا يجرمنّكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة 8)، فالحقّ أحقّ أن يُتّبع كائناً من كان قائله. وعند طرح تجارب الناجحين بل وسقطاتهم وكيف عادوا بعد ذلك السقوط، فهو من باب التسهيل والتقريب لطرق النجاح تلك، بدلاً من الانكفاء على الذات دون داع، فالكبير لا يقنع من تحقيق المنجزات ولا يتوقف عن البحث عن ما برع فيه الغير للأخذ به واختصار المراحل للقمّة، فالزمن لا يتوقف والطامحون للتميّز لا يتوقفون لالتقاط الأنفاس أبداً، فضلاً عن أن يُهدروا أوقاتهم في ما لا طائل وراءه!

من المهم أن نخلع عمامة الإفتاء تلك، وأن نخرج من تلك الأُطر الضيقة التي نضع الآخرين فيها دون سبب واضح. وكم كانت معبّرة تلك الطُرفة التي تقول إن فتاةً أرادت عمل تسمير (تان) لبشرتها، وعندما ظنّت أن شكلها أصبح أجمل بتلك السُمرة، إذا بها تستمع لسيدتين تقول إحداهما: "شكلها مريضة أو فيها بلاء"، فردّت عليها الأخرى: "إلّا وأنتِ الصادقة: لا صلاة ولا عبادة!". فالنظر للنصف الفارغ من الكـوب فقط، قد يفوّت على الظامئ أن يبلّ ريقه بالنصف الآخر.

إن الإيجابية ليست مجرد أقوال نردّدها، ولكنها معتقدٌ يجب أن نؤمن به وبجدواه، وإنّ من الإيجابية أن يسكت الشخص إن لم يستطع أن يقول خيراً أو يعمل معروفاً. وليتنا نتعلّم من طفلٍ لم يتجاوز التاسعة من عمره اسمه "جوشوا سميث" من مدينة ديترويت، كما نشرت مجلة "تايم" الأميركية في الشهر الماضي، والذي جنى 3600 دولار من بيعه لعصير الليموناده خارج منزله، ثم يقوم بالتبرّع بكامل المبلغ لمدينته المتعثرة اقتصادياً.. فتلك هي الروح التي تخلق الفارق، وليست نظرة صاحبنا مرتشف القهوة!