في مطلع فبراير من العام 1976 انتدبني الأستاذ راشد بن عويضة مدير عام ورئيس تحرير صحيفة "الوحدة" الظبيانية، لافتتاح مكتب للجريدة في دبي، عاصمة الدولة التجارية، ومصدر الإعلانات والأخبار، خاصة وأن نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي آنذاك، المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وعد بمنح مكتب وسكن مجانيين لموظفي أية صحيفة يومية تصدر في أبوظبي، وتفتح فرعاً لها في دبي. ولم تكن في دبي آنذاك أية صحيفة يومية، لذا فإن الإمارة كانت حينها في حاجة ماسة إلى صحيفة تغطي أخبارها، وما أكثرها.

وزودني السيد راشد بن عويضة، وبناء على طلبي، برسالة موجهة إلى الشيخ راشد، ورسائل أخرى إلى بقية حكام الإمارات.

ويوم الاثنين 8 فبراير 1976 توجهت إلى مكتب الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، في ديوانه بالجمارك على خور دبي، ديوان الحاكم حالياً، لأسلمه الرسالة وأشرح له الغرض من قدومي من أبوظبي إلى دبي.

ويوم الخميس 12 فبراير 1976 كتبت في الصفحة الخامسة من جريدة الوحدة، زاوية بعنوان «كنت هناك»، قلت فيها:

"ما كنت أظن أني سأقابله بهذه السرعة، وتلك السهولة، فقد عودنا المسؤولون على إجراءات معينة ينبغي اتباعها إذا ما أردنا مقابلة أحدهم لقضية مهمة، وحساسة، تقتضي السرعة، غير مبالين بما يمكن أن تحدثه تلك الإجراءات من تأخير يفقد الحدث قيمته الصحفية. ذهبت وفي خلدي تساؤلات عديدة؛ هل أستطيع مقابلته للمرة الأولى؟ وهل يؤخرني الروتين المتبع عن القيام بمهمتي؟

"طبعاً.. توقعت أن يكون هناك شيء من هذا القبيل، خاصة وأن الرجل الذي أقصده هو نائب رئيس الدولة، حاكم دبي، سمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. مررت أمام حرس الباب الرئيسي، وتوقعت أن يسألني أحدهم: أين؟ ومن تريد؟ ولكن لم يحدث شيء من توقعاتي، فظننت أنني أخطأت المكان، إذ كيف يدخل صحفي إلى قصر الحاكم دون أن يسأل عن مبتغاه؟!

"أعرف في بعض الدول العربية أن الشارع الذي يوجد فيه مكتب الرئيس أو قصره، لا يمكن أن يمر منه إنسان ما لم يسأل عدة مرات عن وجهته وقصده، واذا ما استطاع الوصول إلى مدير مكتبه أو سكرتيره، فلينتظر الساعات الطوال، وإذا لم يوفق في اليوم الأول فليحضر في اليوم الثاني، وهكذا.

"وعندما صعدت إلى حيث مجلس سموه، سألت شرطياً يقف هناك: أين يمكنني مشاهدة سمو الشيخ راشد؟ فما كان منه إلا أن فتح باب المجلس ودعاني إلى الدخول... هكذا.. وبدون استئذان، وبدون المرور على مدير مكتبه أو سكرتيره أو حتى إعلامه مسبقاً.

"وفوجئت بالعديد من المواطنين يشاركونه المجلس، وهو بينهم يحدثهم ويستمع إليهم كأب، أو كأخ أكبر.

"إنها صورة لنوع جديد من العلاقة بين الحاكم والشعب، وبين الحاكم والصحافة، نهديه إلى بعض المسؤولين في المستويات الأدنى، الذين لم يتمكنوا حتى الآن من فهم دور الصحافة في المجتمع فيعطونها الاحترام الكافي".

أي والله، إنها «سياسة الباب المفتوح» التي زرعها المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد، الذي مرت الذكرى 22 لوفاته قبل أيام، في فكر وفلسفة أبنائه الشيوخ، الذين ساروا على نهجه، وعلى منهج القائد المؤسس زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، فبنوا وإخوانهم شيوخ أبوظبي الكرام وبقية الإمارات، دولة حديثة يشار إليها بالبنان، أينما ذهبت وحيثما حللت على سطح الكرة الأرضية، دولة يأبى شعبها إلا أن يكون في المراتب الأولى عالمياً، بالأفعال لا بالأقوال.

أجل، هي سياسة الأبواب المفتوحة سار عليها المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد، واليوم يترجمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بأبهى حللها، وأنصع وجوهها.. ألم يأمر سموه قبل أيام فقط، بنجار ليخلع الأبواب المغلقة التي تفصل عدداً من المديرين عن المراجعين في إحدى الدوائر، خلال زيارة مفاجئة قام بها سموه لتلك الدائرة؟

إذا كنت اليوم، وبعد 36 عاماً، أكتب عن زيارتي من خلال «الباب المفتوح» للمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد، فإن ثمة كاتباً أو مؤرخاً سيكتب بعد سنين أو عقود عن هذه السياسة المتأصلة في فكر وفلسفة شيوخ آل مكتوم، منذ قيام دبي، وتأسيس دولة الإمارات.. إلى ما شاء الله.