تشكل نسبة الرطوبة المرتفعة في الهواء في فصل الصيف الحار، خاصة في دول الخليج العربي، مصدر إزعاج وتذمر لدى معظم الناس، لما لها من إسهام في تعزيز الشعور بعدم الإرتياح الذي يسببه ارتفاع درجات الحرارة.
إلا أننا لو نظرنا إلى ذلك بمنظار آخر، لا يتعلق بمشاعرنا حين نسير بضعة أمتار من مكان مُكيف الهواء إلى مكان آخر مشابه، لما وجدنا أنفسنا سوى أناس متذمرين من وجود ثروة طبيعية لا تقدر بثمن، في متناول أيدينا أسهمنا على مدى العشرات من السنين في تجاهل أهميتها والتأفف من وجودها، ولم نوظف في تخطيطنا وسائل جني بعض من هذه الثروة التي نحن أحوج ما نكون إليها.
تشير الدراسات العلمية إلى أن الهواء هو أحد أبرز مصادر توافر المياه في الطبيعة، إذ يبلغ ما فيه من مياه قرابة عشرة أضعاف ما هو متوافر في جميع أنهار العالم. والمياه التي يحملها الهواء تختلف جذريا عن مياه البحر، فالبحر يحمل مياها غير صالحة للاستهلاك لأنها شديدة الملوحة، إلا أن الهواء يحمل مياها رائقة لا سبيل لمقارنة أي مياه أخرى بها، من حيث الجودة والعذوبة.
يحتوي الكيلومتر الأول من الهواء فوق سطح الأرض، ما يعادل عشرة آلاف بليون لتر من المياه شديدة النقاء، وهي كمية تعادل تقريبا عشرة كيلومترات مكعبة. وهذه الكمية من المياه موجودة في جميع الفصول والأوقات، لأن وجودها بهذه الكمية جزء من عملية التوازن البيئي الطبيعى.
كما أن هذه الكمية من المياه لا تشمل ما هو موجود في الغيوم التي تقع عادة على ارتفاعات كبيرة. أما مقدار ما هو متوافر في أي وقت من الأوقات في الغلاف الجوي كله، فيبلغ قرابة ثلاثة عشر ألف كيلومتر مكعب من الماء.
ويكتسب وجود هذه المياه أهمية استثنائية في المناطق الصحراوية البعيدة عن البحار، حيث لا مجال هناك للحديث عن مصدر آخر للمياه. ومع كثرة الدراسات الصادرة حول أزمة المياه في أماكن عديدة من العالم، إلا أن قلة من الإجراءات والاحتياطات قد اتخذت لمواجهة ذلك.
وتشير الدراسات الصادرة عن منظمات مختصة تابعة للأمم المتحدة، إلى أن استهلاك الماء على المستوى العالمي يتضاعف كل عشرين سنة، وأنه مع حلول عام 2025 ستزداد الحاجة للمياه بمقدار 56% عما هي عليه في الوقت الحاضر، مما يعني أن أزمة المياه الحالية، وهي ليست قليلة .
حيث يوجد ما يزيد على بليون شخص في العالم يعانون من شح شديد في توافر المياه الصالحة للاستهلاك البشري أو انعدام كلي لها، ستبلغ حدودا خطيرة في المستقبل وتصبح أبرز عوامل زعزعة الاستقرار في مناطق عدة من العالم، وأبرزها منطقة الشرق الأوسط التي تشكو من شح شديد في المياه، وليس من المستبعد في ضوء ذلك أن تتسبب في اندلاع الصراعات، وربما تقود إلى نشوب حروب كبيرة.
ومع أن الحلول لأزمة المياه تكمن في تحلية مياه البحار، أو تطوير تكنولوجيا الاستفادة من الجبال الجليدية التي تنتج بسبب الانهيارات في جزيرة غرينلاند وفي القطب الجنوبي، إلا أن هناك حلولا أخرى قد لا نستطيع الاستغناء عن اللجوء إليها في المستقبل، خاصة في المناطق الصحراوية البعيدة عن البحار، حيث لا مجال للحديث عن تحلية للمياه أو إيصال جبل جليدي. فبخار الماء موجود في كل مكان وفي كل وقت، إلا أن نسبة توافره تكون كبيرة قرب البحار والبحيرات.
وقرب المسطحات المائية. إن الاهتمام بتوفير وسائل الحصول على المياه من الهواء، تدخل ضمن الخطط التي لا مفر أمام الدول الغنية بالرطوبة من أن تأخذها بنظر الاعتبار، سيما أن تنوع وسائل الحصول على المياه يعزز من أمنها القومي ويكسبها درجة عالية من الاطمئنان على المستقبل. والخطوة الأولى نحو ذلك هي إدراج الرطوبة ضمن الموارد الطبيعية غير الناضبة، لأن ذلك ينسجم مع استراتيجية التنمية المستدامة.
وهناك جانب آخر جد مهم في هذا الصدد، وهو أن المياه المستخلصة من الجو هي مياه طازجة في أعلى درجات النقاوة، على العكس من المياه المعلبة في القناني البلاستيكية، التي لا تكون بنفس الجودة لأنها قد تخزن في ظروف غير ملائمة ولمدد طويلة. ولعل ما هو جذاب في التوجه نحو الحصول على هذه المياه، هو أن العملية لا تتطلب الحفر ولا مد الأنابيب أو الأسلاك الكهربائية، وحين يجري تأمين الطاقة اللازمة لذلك.
في المناطق الصحراوية، عن طريق الخلايا الشمسية أو طاقة الرياح، لا تبلغ كلفة الحصول عليها سوى مبالغ زهيدة، لا تقارن بما تتطلبه عملية تحلية المياه المالحة. هذا إضافة إلى أن الحصول على المياه من الهواء لا يلقي بأعباء ثقيلة على البيئة، فالمياه المعلبة في القناني البلاستيكية تولد سنويا ما يعادل مليونا ونصف المليون طن من المخلفات البلاستيكية التي تلوث البيئة.
من جانب آخر، ترتبط بإنتاج المياه مشكلة التوزيع، فحين تكون مصادر الحصول على المياه من الناحية الجغرافية قريبة من مواقع الاستهلاك، يصبح الأمر مقبولا، ولكن حين تكون هناك مسافات كبيرة بينهما، فالأمر فيه قدر من عدم الترشيد في الإنفاق. وهنا تزداد الحاجة لمدخل أجدى اقتصاديا وأكثر عمليا، وهو استخلاص المياه من الهواء في المناطق البعيدة عن شواطئ البحر، إن كانت نسبة الرطوبة مرتفعة لدرجة تجعل للمشروع جدوى اقتصادية.
والحقيقة أن التوصل إلى تقنية عملية واقتصادية لاستخلاص المياه من الهواء، يوفر إمكانية استخدام هذه التقنية في أي مكان، مما يوفر الكثير من النفقات التي تتعلق بالنقل والخزن والتوزيع وما قد يرافق ذلك من احتمالات التسرب أو التلوث أو غير ذلك.
هناك مداخل متعددة في بعض دول العالم لإيجاد التقنية الأكثر ملاءمة لاستخلاص الماء من الهواء، وقد تحقق البعض من النجاحات بدرجات متفاوتة، إلا أن المجال لا يزال رحبا ومفتوحا أمام الباحثين أفرادا ومؤسسات، لمقاربة هذا الموضوع الحيوي الذي يرتبط بآفاق المستقبل، ليقدموا ما لديهم بما يتناسب مع بيئة وخصائص هذا البلد أو ذاك.