نستطيع أن نطلق على الأسبوع الماضي أسبوع "إرادة التوطين" بحق، فقد شهد الأسبوع إطلاق "جائزة محمد بن راشد للتوطين"، التي اعتمد سموه معاييرها على مستوى القطاعين العام والخاص في إمارة دبي، متمثلة في خطط وبرامج التوطين الاستراتيجية، وقيادة التوطين، وتدريب وتمكين وتحفيز الموارد البشرية المواطنة، والمبادرات المجتمعية للتوطين.
الأمر الذي سيفتح باباً للتنافس بين دوائر حكومة دبي المحلية وشركات القطاع الخاص العاملة في إمارة دبي، لرفع نسب التوطين فيها، حيث ستعطي نتائج هذه الجائزة مؤشرات مهمة لمدى رغبة هذه الدوائر والشركات في التوطين، ومدى جديتها في تنفيذ رغبة وتوجهات القيادة العليا لهذا الوطن، هذه القيادة التي ما فتئت تحث على التوطين وتدفع إليه بمختلف الوسائل.
الترحيب الذي لقيه إطلاق "جائزة محمد بن راشد للتوطين" من قبل مديري الدوائر المحلية في إمارة دبي، يجب أن ينعكس على أرض الواقع، وأن يتحول إلى خطط وبرامج تضعها هذه الدوائر موضع التنفيذ، ليس فقط من أجل الحصول على الجائزة التي هي شرف لمن سينالها دون شك، وإنما لتمكين المواطن من الإسهام في عملية التنمية داخل وطنه، وقيادة هذه العملية، لأنه الأقدر على فهم متطلبات هذه التنمية، ولأنه الأولى بهذه القيادة، ولأنه الأحق بها.
الإعلان عن "جائزة محمد بن راشد للتوطين" تزامن مع بدء "مؤسسة دبي للإعلام" تدريب 70 مواطناً، في إطار مبادرتها الوطنية "شارك في المستقبل"، التي تهدف إلى ضخ هذه الكوادر المواطنة في هيكل المؤسسة الفني والتنظيمي والإداري، وقنواتها الإذاعية والتلفزيونية، وإصداراتها الصحافية. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لمبادرة المؤسسة في اليوم الوطني الأربعين لدولة الإمارات.
حيث قامت في إطار الاحتفال بتلك المناسبة الوطنية، بتدريب وتوظيف 40 مواطناً. وتشكل هاتان المبادرتان جزءًا من خطة متكاملة تهدف إلى توظيف 500 مواطن على مراحل متوالية، وصولاً إلى إيجاد جيل من الإعلاميين الإماراتيين، قادر على مواكبة التطورات والمنجزات والمشاريع الإبداعية التي تشهدها إمارة دبي وباقي إمارات الدولة، مما يسهم في صياغة مفهوم جديد للإعلام المعاصر، وفقاً لما أعلنته المؤسسة.
"جائزة محمد بن راشد للتوطين" ومبادرة "شارك في المستقبل" التي أطلقتها "مؤسسة دبي للإعلام"، شكلتا حافزاً لبعض دوائر دبي المحلية، للإعلان عن مبادرات لاستقطاب العناصر المواطنة، وتشكيل لجان لرفع نسبة المواطنين العاملين فيها، مثلما فعلت "هيئة الصحة" في دبي، ونتوقع أن تتبعها دوائر أخرى، فتعمد إلى الإعلان عن مبادرات من هذا النوع.
وهذا في اعتقادنا هدف من الأهداف التي رمت إليها الجائزة. لذلك نتمنى أن يتحول هذا الحماس إلى استراتيجيات دائمة، وليس ردات فعل تنتهي بانتهاء المناسبة التي أُعلِنت فيها، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبلها، وتبقى الخطط والتصريحات داخل الأدراج، في انتظار مناسبة جديدة لإخراجها وتوزيعها على وسائل الإعلام مرة أخرى.
التوطين الذي نتحدث عنه ليس مستحيلاً كما يتصور البعض أو يصورونه لنا، وهو غاية في حد ذاته، وليس مجرد وسيلة لنيل الجوائز، لأنه الوضع الطبيعي الذي يجب أن نصل إليه في نهاية العقد الخامس من عمر دولتنا، تحقيقاً لرؤية دولة الإمارات حتى العام 2021 التي أعلنتها حكومة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ووضعت على أساسها استراتيجيتها خلال السنوات المقبلة.
والتوطين الذي نتحدث عنه، ضرورة في ضوء المؤشرات غير المطمئنة التي يتم الإعلان عنها من حين لآخر، وآخرها تصريح وزير العمل في الدولة، بأنه سيكون هناك ما بين 225 ألفاً و250 ألف مواطن إماراتي يبحثون عن عمل بحلول عام 2020، ولن يكون في إمكان القطاع الحكومي استيعاب كل هؤلاء الباحثين عن عمل!
رقم مخيف دون شك، إذا ربطنا بينه وبين نسب التوطين في الحكومة الاتحادية التي كشف عنها مؤخراً وزير التربية والتعليم، رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، وجدنا أن جذور المشكلة متشابكة، تبدأ من القطاع الحكومي، ولا تنتهي عند القطاع الخاص. فهذه الأرقام تقول إن نسبة التوطين في الحكومة الاتحادية بلغت 53% من مجموع الوظائف، بعد 40 عاما من قيام الدولة!
وهي نسبة صادمة، تعني أن القطاع الحكومي الاتحادي لم يقم حتى الآن بتوطين نصف وظائفه تقريبا، في حين لا تتوافر لدينا نسب وأرقام للتوطين في القطاع الحكومي المحلي، كي نتمكن من وضع أيدينا على الحجم الحقيقي لمشكلة البطالة بين المواطنين، ونسعى إلى حلها قبل أن تتفاقم وتصل إلى الرقم الذي يتحدث عنه وزير العمل بحلول عام 2020.
لقد أكد المؤتمر السنوي الثالث للتعليم الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الأسبوع الماضي، على ضرورة تفعيل دور الإدارة المتخصصة في الإرشاد الأكاديمي التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لحل مشكلة عدم التوافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل.
وهذه قضية أخرى تنقلنا إلى دور القطاع الخاص في عملية التوطين، وهو دور ما زال متأخراً جداً، ولعل هذه واحدة من القضايا التي نتمنى أن تتطرق لها "جائزة محمد بن راشد للتوطين"، وتقدم لها حلولاً تستفيد منها كل القطاعات.
وعندما نقول إن الأسبوع الماضي كان أسبوع "إرادة التوطين" بحق، فلأننا نرى أنه يفتح من جديد أبواب الأمل أمام طوابير المنتظرين في معارض التوظيف، الذين يتزايدون عاماً بعد عام، والذين يتوقع وزير العمل أن يصل عددهم إلى 250 ألفاً بعد 8 سنوات من الآن، فهؤلاء أولى بوظائف وطنهم، كما يؤكد دائماً قادة هذا الوطن، ويضعون الجوائز لتحفيز المسؤولين على استيعابهم.. وإذا كان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فإن استخدام السلطان هنا ضروري لمصلحة الأوطان.