بعد أن تم تقسيم العراق إلى أجزاء ومحاصصة بين القوى التي سعت إلى ذلك، وأصبح الإنسان العراقي يبحث عن الأمن والغذاء، وتنافس الحلفاء فيما بينهم لتقاسم الغنيمة، آخذين بعين الاعتبار أن العراق غني بالمصادر والخيرات وليس بالنفط فقط، فقد سرقت آثاره وتحفه التي تعود إلى آلاف السنين، وجاءت سلطة تتلقى أوامرها من الخارج، وفي الوقت ذاته تمارس ما كان النظام القديم يمارسه من قمع واضطهاد للإنسان العراقي.
وحسب الإحصائيات الدولية، فقد هاجر من العراق آلاف من البشر، هرباً من الاضطهاد الديني مثل المسيحيين، وهذا بحد ذاته قد ساهم في تشتت العائلات العراقية، والتي عرف عنها التزاوج فيما بينها وخاصة من قبل المسلمين.
كانت الحجة الإعلامية لغزو العراق تعتمد على وجود أسلحة الدمار الشامل، والتي أكد الفريق الأميركي في عام 2003 والخاص بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية في تقريره الشامل إنه لم يعثر على أي نوع من هذه الأسلحة.
وعلى فرض وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق حين ذاك فمن هي الجهة التي وفرت هذه الأسلحة؟! وما هي المبالغ التي دفعت لذلك؟ أم أن ذلك السر لا يزال في البنوك السويسرية السرية؟
كان واضحاً أن الهدف الرئيسي من ذلك إعادة الخارطة للدول العربية، سواءً العراق أو سوريا حالياً وربما دول أخرى بهدف القضاء على الوحدة الوطنية وزرع الحرب الطائفية والعرقية والدينية، والسيطرة على آبار النفط ونهب الثروات الأخرى والتي لا تقدر بثمن في الوقت الراهن.
ولعل الذاكرة لا تنسى تلك السيارات السوداء، والتي حملت من المتاحف العديد من الآثار والمخطوطات التاريخية، بالرغم من المحاولات البسيطة من قبل بعض العاملين في الحفاظ على ذلك التراث الإنساني والذي لا يقدر بثمن.
إن دعم القوى العالمية لبعض الأحزاب السياسية أو التجمعات السياسية، ما هو إلا تلاعب بعواطف الناس وتأجيج الصراع اعتماداً على السياسة البريطانية القديمة "فرق تسد" تلك التي استخدمت منذ القرن السادس عشر في العديد من الدول.
واليوم تعود الأبواق الإعلامية التابعة لذلك المخطط في الحديث عن سوريا، وهنا لا أدافع عن النظام السوري الذي ارتكب العديد من المجازر على مدى عدة عقود منذ استلام البعث السوري للسلطة، ولعل اغتيال كمال جنبلاط كان البداية مروراً بغيره من القيادات السياسية، لقد كان جنبلاط رمزاً للوحدة الوطنية، وإنسان يسعى لتوفير الخبز والأمان، إلا أن ذلك الالتفاف الجماهيري حوله، أزعج أولئك وبات من الضروري التخلص منه لحرق الرمز، وبالتالي تشتت من حوله والبحث عن طائفة أو جماعة أو...الخ.
أدى ذلك فعلياً إلى بروز الميليشيات الطائفية والتي تقتل الإنسان حسب هوية أو مذهبه أو حتى دينه.
هل يبقى الإنسان العربي في انتظار الإفراج عن الوثائق السرية سواء البريطانية أو الفرنسية أو الأمريكية وحتى الروسية، ليكتشف من جديد الأوراق المخفية لما يجري في الوطن العربي.
تعود وسائل الإعلام من هذه الأيام للحديث عن الزعيم جمال عبد الناصر، وياسر عرفات وربما عن صدام حسين والملك فيصل بن عبد العزيز، وهم من الذين قادوا الشعوب العربية في فترات مختلفة وفي مراحل فصلية من تاريخنا المعاصر.
آخذين بعين الاعتبار أن سياسة الاضطهاد والتعذيب والإرهاب لم تنقذ صدام حسين من مصيره المحتوم، بالرغم من المحاكمات الطويلة، وكانت مسرحية جديدة ينتظرها عامة الناس.
وإن بروز الطائفية وغيرها من الأمراض القاتلة، دليلاً على اختراق الجبهة الداخلية للمجتمعات العربية، وإن كانت بدرجات مختلفة.
في العديد من المرات يحولون العلاقات الودية بين الدول العربية وجيرانها، إلى صراعات سياسية بهدف نهب خيراتها من الثروات والأموال في الداخل والخارج، وخاصة في منطقة الخليج العربي، وذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن بعض هذه الدولة لديها أحلامها التاريخية في الهيمنة على المنطقة، وإن اختلفت أنظمة الحكم، إلا أن حلمهم واحد لا يتغير بتغير الأشخاص، ويبرز من يساعدهم في ذلك، وأخيراً وليس آخراً إن وحدة العراق وسوريا خط أحمر يجب أن لا ينسى من قبل الجميع سواءً في الداخل أو الخارج، وإلا كان المصير هو مصير الثور الأبيض قبل قتل الأحمر، فهل يعود العقل والتعقل في رسم السياسات سواء ذات المدى القصير أو الطويل، فهل هنالك من يشعل الشمعة الأولى ليضيء الطريق أم أن الظلام الدامس هو الذي سيعيدنا إلى العصور الوسطى العربية من جديد.