عشت أيام حرب أكتوبر المجيدة هنا في الإمارات. شهدت صورة رائعة عن وطن عربي يتحول في لحظة إلى كتلة من المشاعر الفياضة تطلب النصر وتستعد للتضحية بكل شيء من أجله. لم تكن الاتصالات قد تقدمت كما اليوم كنا ننتظر حتى الفجر لنستقبل طائرة تحمل بعض اللقطات التلفزيونية عن الأحداث ليسارع التلفزيون بعرضها. كانت الآلاف تسهر أمام المطبعة لتستقبل النسخ الأولى من الصحيفة. كانت الدولة تخطو خطواتها الأولى ومع ذلك كبرت بمواقف زايد الحاسمة التي بدأ بها طريقه ليصبح حكيم العرب وبشير الخير في اللحظات الصعبة.
ربما لا يعرف الكثيرون أن القرار الأساسي الذي اتخذه الخبراء والمسؤولون العرب في اجتماعهم حول استخدام سلاح البترول في المعركة كان يفرض حظراً جزئياً فقط، لكن المغفور له الشيخ زايد أصر على الموقف الصحيح، وأصدر القرار بالحظر الكامل على الدول المؤيدة للعدو، وتبعه الجميع بعد ذلك.
وربما لا يذكر الكثيرون ان أسعار النفط كانت مازالت متدنية عند اندلاع الحرب، وان الموارد كانت محدودة، والطموحات كانت كبيرة، وبرامج التطوير كانت قد بدأت. لكن ذلك لم يمنع الشيخ زايد من ان يقترض من البنوك العالمية أول دفعة من الأموال التي قدمتها الدولة لدعم المعركة. التفاصيل كثيرة، والذكريات رائعة، لكن ما يعنينا الآن هو أنه حين توقفت المعارك.
ورغم التراجع العربي في الأيام الأخيرة تحت وطأة التدخل الأميركي السافر في المعركة، إلا أننا كنا أمام موقف جديد يبعث على الأمل. كانت النتائج رغم أي شيء كفيلة بأن تفرض التسوية السياسية التي تعيد الحقوق المشروعة وتحرر الأرض المحتلة. وكان التحالف العربي بين دول المواجهة ودول المساندة قد خلق حقيقة جديدة في المنطقة وكان الطريق قد انفتح لبناء قوة عربية قيل يومها إنها ستكون القوة السادسة في العالم.
ما حدث بعد ذلك معروف. لم نحسن استثمار نتائج الحرب لتحقيق أهدافنا، في الوقت الذي قادت أميركا جهداً هائلاً لشق الصف العربي، ولجر الأطراف العربية إلى نفق الحلول المنفردة. ومع زيارة السادات للقدس ثم كامب ديفيد، كان تحالف أكتوبر ينفض، وكان العالم العربي يذهب إلى الانقسام والتشرذم، وكانت مصر تنكفئ على نفسها، وكان التوازن مع العدو يختل.
واليوم نمضي إلى العام الأربعين بعد حرب أكتوبر. كم يبدو المشهد مختلفاً بعد كل هذه السنوات. أحلام كثيرة ضاعت في الطريق منذ أن انكسر تحالف أكتوبر. اختل التوازن الاستراتيجي مع الأعداء. تفرقت الطرق بين من خاضوا الحرب معاً وحققوا الانتصار. العلاقات بين دول الخليج وبين مصر وسوريا على نقيض ما كانت عليه في اكتوبر من تحالف ومشاركة. الخليج العربي في قلب الخطر. وسوريا تحترق وشعبها يطلب الحرية ويواجه الموت، والطريق يمهد لحرب أهلية تفرض التقسيم وتشعل المنطقة.
وفي مصر موقف معقد حيث يتم اختطاف الثورة، وتناضل القوى الوطنية ضد هيمنة قوى الاسلام السياسي على الدولة، ويتصاعد صراع لا تخفي فيه أميركا انحيازها لجماعة "الإخوان المسلمين" وهو أمر يثير الآلاف من علامات الاستفهام خاصة حين يترافق ذلك مع الخطر الأعظم على أمن مصر بما يحدث في شبه جزيرة سيناء.
إن جيش مصر الذي كان عبوره العظيم الى سيناء عام 73 هو فاتحة النصر في حرب أكتوبر، يخوض الآن حرباً شرسة لاستعادة سيناء مرة أخرى من يد عصابات الإرهاب التي تدعي الإسلام، والتي حولت أرض سيناء إلى قاعدة لنشاطها. يخوض الجيش المعركة الآن في ظروف بالغة الصعوبة.
فالتضاريس تخدم عصابات الإرهاب، والسلاح موجود بلا حساب خاصة بعد حالة الفوضى التي عمت ليبيا والكميات الهائلة من السلاح المتقدم التي تم تهريبها من هناك ليستقر معظمها في كهوف سيناء. والأوضاع في غزة خلقت ظروفاً تشابكت فيها مصالح عصابات الإرهاب مع عصابات التهريب.
في المقابل يجد جيش مصر أن عليه أن يواجه هذه الأوضاع في ظل قيود تفرضها المعاهدة مع الكيان الصهيوني على تعداد الجيش في سيناء وتسليحه!! إن الأمر يبدو وكأننا أمام مخطط لاستنزاف جيش مصر في معركة تطول حتى يتم ترتيب الأوضاع في مصر وفي المنطقة، في البداية يتم تشجيع الجماعات الإرهابية المخترقة أميركياً للتمركز في سيناء، وبدلاً من توجيه سلاحها للعدو الصهيوني يتوجه إلى الجنود المصريين، وعندما يبدأ الجيش المصري في التعامل مع الموقف، تصرخ إسرائيل وتؤيدها أميركا ويبدأ التهديد بأن اسرائيل قد تضطر للعمل بنفسها داخل سيناء !!
"اللعبة" في سيناء قد تكون الأخطر، وقد يكون للدعم الأميركي للإخوان المسلمين في الفترة الماضية هدف يتعلق بسيناء وبخلق ظروف مواتية لتنفيذ مخططات اسرائيل استغلالاً لوجود الجماعات الإرهابية في سيناء.
وتعرف اسرائيل وأميركا أن الجيش المصري لن يقبل ذلك على وجه الإطلاق والتجارب قبل ذلك تؤكد لها هذه الحقيقة. فقبل الثورة، وفي ظل النظام السابق، تم رفض كل المحاولات الأميركية لبناء قواعد عسكرية في سيناء. وقبل الثورة كان للجيش المصري موقف حاسم من رفض أي تواجد خارجي في شبه جزيرة سيناء (ما عدا التواجد الدولي من خلال قوات الطوارئ) .
وعندما اكتشفت المخابرات المصرية محاولات اسرائيلية للتسلل من خلال إتاحه تمليك الأرض والمنشآت السياحية للأجانب كانت هناك أكثر من معركة في مجلس الوزراء رفض فيها وزير الدفاع وقتها المشير طنطاوي فتح أي ثغرة يمكن أن تتسلل منها اسرائيل ووجه كلمات قاسية لرئيس الوزراء يومها أحمد نظيف ولمجموعة الوزراء التابعين للجنة السياسات. ويومها قال لهم طنطاوي:
إننا لم نقدم الآلاف من الشهداء لنحرر الأرض، ثم تأتون اليوم لتعيدونها لهم بالتمليك او الإيجار!! هناك اليوم مطلب وطني بضرورة تعديل المعاهدة مع الكيان الصهيوني واسرائيل ترفض وأميركا تساندها، هكذا نبدأ العام الأربعين بعد حرب أكتوبر، فهل يكون هو العام الأول في استعادة ذاكرة الانتصار؟.. قد يكون الطريق صعباً، ولكن البديل هو الانتحار!