صادم وغريب وغير مألوف، هذا الصنف الجديد من الدعاة الذين أفرزهم لنا الربيع العربي، ضمن ما أفرز من ظواهر وجماعات لم نعتد رؤيتها، ومن خطاب لم نعتد سماعه.

كان الدعاة على مدى تاريخ الدعوة الإسلامية، هم المدارس التي نتعلم منها أدب الخطاب، ولا نسمع منها سوى جميل اللفظ وعميق المعنى، ولا نعرف عنها إلا الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. لكنّ دعاة ما بعد الربيع ألغوا تلك المدرسة العريقة وختموا أبوابها بالشمع الأحمر، وكسروا تلك القواعد وألقوا بها خارج الأسوار، وضربوا صفحاً عن الحكمة والموعظة الحسنة وغلّقوا دونها الأبواب والنوافذ.

يبدأ دعاة ما بعد الربيع حديثهم عادة بالاعتذار عن الألفاظ الجارحة التي سيستخدمونها في رسائلهم، وربما تكون هذه هي الحسنة الوحيدة لهم إن كانت ثمة حسنات لهم، لكنها حسنة لا تغفر لهؤلاء الدعاة ما يرتكبون بعد ذلك من سيئات، حيث يبدأ فاصل الشتم والسباب، والخوض في أعراض الناس وأخلاقهم، وتسفيه عقولهم، والتشكيك في عقائدهم.

"أيها الداعرون.. أيتها العاهرات..".. هكذا يبدأ أحد دعاة ما بعد الربيع إحدى رسائله الموجهة إلى فئة من فئات المجتمع، ونحن الذين نعتذر هذه المرة لاستخدام هذه الألفاظ، لكنها الضرورة التي تستدعي استخدامها لمعرفة المستوى الذي وصل إليه هؤلاء الدعاة، ثم يتابع واصفاً من يخاطبهم بأوصاف منها:

"الصراصير" و"الجزم" و"الكلاب" و"الفئران"! ألفاظ نعف عن سماعها على ألسنة السوقة من الناس ولا نتقبلها منهم، فكيف يريد منا هؤلاء الذين يسمون أنفسهم "دعاة"، أن نقبل سماعها منهم وننصاع لمواعظهم، ناهيك عن أن نجادلهم بالتي هي أحسن؟!

"دعاة" يكفِّرون كلّ من يخالفهم، بل إنهم يكفِّرون كل من لا يخالفهم إذا تجرأ فأبدى رأيا لا يروق لهم. حتى علماء الأزهر الشريف، الذي ظل محافظاً على وسطيته أكثر من ألف عام، يكفِّرونهم ويعتبرونهم خارجين عن الملة، ويزدرون أتباع الديانات الأخرى ويصفونهم بالخنازير، ويهينون رموزهم الدينية.

ويتطاولون عليها حتى بعد موتها، مثلما حدث مع "البابا شنودة الثالث" بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وسائر بلاد المهجر، الأمر الذي اضطر أحد المحامين الأقباط لتقديم بلاغ إلى النائب العام في مصر، يتهم فيه هذا الداعية بالسب والقذف في حق البابا الراحل، والتلفظ بعبارات من شأنها ازدراء الأديان، وإثارة الفتن الطائفية، وتقويض السلام الاجتماعي.

هذه اللغة المتشنجة في الخطاب، وهذه المغالاة المفرطة في العدائية تجاه بعض فئات المجتمع وطوائفه، بل تجاه الآخر بشكل عام، ظاهرة لم نعهدها في الدعاة عموماً، وفي دعاة ما قبل الربيع العربي بوجه خاص، حتى أكثر الدعاة لذعاً ونقداً الذين عرفناهم منذ مرحلة الستينيات وحتى ما قبل الربيع العربي، لم ينحدروا إلى هذا المستوى الذي يطالعنا كل يوم في القنوات الفضائية التي تسمي نفسها "إسلامية".

وعلى المواقع الخاصة لهؤلاء الدعاة. ولعل المثال الذي يحضرنا هنا هو الداعية والخطيب الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله، الذي كان صريحاً في خطبه، ناقداً لكثير من الأوضاع، السياسي منها والاجتماعي والفني والرياضي، وكان نقده لاذعاً إلى درجة السخرية.

لكنها سخرية غير مسفة، وقد دخل بسبب خطبه تلك السجن أكثر من مرة وفي أكثر من عهد، وتعرض للتعذيب رغم أنه كان كفيفاً، ومع ذلك ظلت خطبه تتسم بالنقد اللاذع والطرافة المحببة، حتى وهو ينتقد بعض الساسة والفنانين والرياضيين ذوي الجماهيرية الكبيرة، لم ينحدر إلى المستوى الذي نشاهده ونسمعه هذه الأيام من خلال خطب بعض الدعاة الذين أفرزهم لنا الربيع العربي ضمن ما أفرز.

كنا نتمنى أن يفرز لنا الربيع العربي أجمل ما فيه، ولكن يبدو أن مرحلة الربيع نفسها كانت أقصر مما تصورنا أو تمنينا، فهي لم تتجاوز مرحلة الطهارة التي خرج فيها الشباب إلى الميادين والساحات مطالبين بإسقاط الأنظمة المستبدة، والقضاء على الفساد الذي استشرى وتجاوز حدود الاحتمال، كي تبدأ مرحلة شعارها طهارة اليد واللسان، ثم اختلط الحابل بالنابل.

وتسلل إلى المشهد من تسلل ليُخرِج لنا الربيعُ أسوأ ما فيه، فكانت الانقسامات التي عصفت بالربيع، وقسمت الساحة إلى ساحات، والميدان إلى ميادين، والجماعة إلى جماعات، لترتفع أصوات الذين لم نسمع لهم صوتاً قبل الربيع،.

ويصبح التهديد بالنزول إلى الشارع على أطراف ألسنة أولئك الذين لم يجرؤوا على النزول إلى الشوارع إلا للتبضع وشراء حاجاتهم من الأسواق طوال العقود الماضية، حتى جاء شباب الربيع العربي ليكسروا حاجز الخوف الذي لم يستطع كسره هؤلاء الذين تطالعنا الآن وجوههم كل يوم، عبر فضائيات "الفتنة" التي انطلقت من عقالها، ليصبح ادعاء البطولات في حد ذاته بطولة، ويغدو كيل الاتهامات وانتهاك الأعراض بضاعة رائجة.

نتمنى للربيع العربي دعاة أكثر مودة وأقل عدوانية، كي يتعلم منهم أبناؤنا أدب الخطاب وأصول الاختلاف، مثلما تعلمنا نحن من القرآن الكريم الدعوة إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة الذين نختلف معهم في الرأي والعقيدة بالتي هي أحسن، فعندما أرسل المولى عز وجل نبيه موسى وأخاه هارون إلى فرعون قال لهما: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولًا ليناً لعله يتذكر أو يخشى).

وإذا كان تعالى قد أمر موسى وهارون أن يقولا قولًا ليناً لفرعون الذي طغى، فكيف لهؤلاء الذين يسمون أنفسهم "دعاة" أن يخاطبونا نحن المسلمين بهذا الأسلوب الغليظ، ويستخدموا معنا هذه الألفاظ الجارحة، نحن الذين لم نصل درجة طغيان فرعون، وهم الذين لم يصلوا درجة تقوى موسى وهارون؟!