تابع المجتمع المحلي بكثير من القلق والانتباه، الخبر الذي تناقلته كافة وسائل الإعلام المحلية خلال الأسابيع الماضية، وتسرب بسرعة البرق لشبكات التواصل الاجتماعي وبعض الفضائيات، عن الأم المواطنة التي تركت أبناءها وفلذات كبدها مدة عشرة أشهر للخادمة لترعاهم بدلا منها..
والمؤسف أنها في المرات القليلة التي كانت تعود مضطرة للمنزل، كانت تتحاشى رؤية أطفالها! ونحن لا نريد الخوض في التفاصيل لأن "الحالة" بين يدي العدالة للنظر فيها، بعد أن تولت الأجهزة الشرطية استكمال التحريات بشأن الملابسات المتعلقة بها، وتسليم الأبناء إلى والدهم الذي كان بدوره لا يعرف عنهم شيئا!
قد يرى البعض أن الواقعة لا تعدو أن تكون حالة فردية لا ينبغي أن تبنى عليها أية تحليلات تذهب بها بعيدا أكثر من اللازم، ولكن من منظور سوسيولوجي علمي ومجتمعي، تعتبر بعض الحوادث والوقائع الفردية مؤشرا قد يفضي إلى ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة اجتماعية، ذلك أن الظاهرة الاجتماعية ما هي إلا أفعال فردية قد تتكرر، فتستقر في المجتمع وتستحيل إلى نمط سلوكي قد يقبله أو يرفضه المجتمع.
ما يهمنا الإشارة إليه هو أن الحادثة، في تقديري، نتاج لخلل في الأسرة، وأن طلاق الأم وانفصالها عن زوجها دفعها للانتقام منه والإقامة في مكان ما، وكان على الأبناء تحمل نتائج هذا الانفصال. ومع أن كثيرين ممن تابعوا الخبر الذي صار حديث المجالس، تجاوزوه في اليوم التالي إلى متابعة غيره، فإن الجهات الرسمية وغير الرسمية ينبغي أن تتعاطى مع الحادثة باعتبارها "مؤشرا"، فمن أدرانا أنها الحالة الوحيدة؟
وحتى لو افترضنا جدلا أنها الأولى من نوعها في مجتمعنا، فهل نكتفي فقط بقراءة الخبر أم يتوجب على الجهات المعنية بقضايا الأسرة والمجتمع، وما أكثرها، أن تستقصي وتحلل وتستنتج، لا أن ترمي بالكرة في ملاعب الشرطة ودوائر القضاء، ذلك أن الشواهد وقرائن الأحوال، بل ومضابط الشرطة، تزخر بحالات عديدة تؤكد أن هنالك تصدعات في بنية الأسرة بسبب مجموعة من العوامل، من أهمها الطلاق.
فضلا عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن سياسة دفن الرؤوس في الرمال والتعتيم تحول دون إيجاد الحلول الناجعة للعديد من الحالات والسلوكيات الفردية، التي أخذت تطفو على سطح الواقع الاجتماعي، كحمل "السلاح الأبيض" أو ما تعارف على تسميته حالة "البويات" ومترادفاتها، كالهروب من المنازل، والنزوح صوب الجنس الثالث، وتعاطي المؤثرات العقلية، وغيرها من المسكوت عنه الذي يجري داخل وخارج نطاق الأسرة، سواء بعلم أم عدم معرفة أفرادها.
لقد أشار العديد من الأبحاث المنشورة، إلى أن تشرذم الأسرة وتصدعها يعود إلى تفكك هيكلها البنائي، خصوصا بعد تلاشي دور الأسرة الممتدة ودخول الغرباء لتولي شؤونها، سواء الخدم ومن في حكمهم، والذين أصبح وجودهم داخل غرف منازلنا أمرا عاديا، بل لا غنى لكثيرين عنه. وتكفي الإشارة لحالة أسرة اضطرت لقضاء إجازتها في بلد الخادمة التي سافرت إلى هناك.
وذلك لارتباط وتعلق الأطفال بها، ليعودوا جميعا معا بعد نهاية إجازة الخادمة! لقد تشبع مجتمعنا خلال العقود الأربعة الماضية، بالكثير من العادات والسلوكيات والممارسات الدخيلة والغريبة على المجتمع، لدرجة أنها في نظر كثيرين صارت أمرا عاديا.
لعلي كمهتمه بالعمل الاجتماعي، أرى أن حالة الأم التي تركت صغارها لخادمة طوال عشرة أشهر، وفي غياب الأب وعدم اكتراث بقية الأهل من العمات والخالات وأقارب الأب، عن مجرد السؤال عن أحوالهم، تعتبر حالة مقلقة لا يكمن حلها فقط في تطبيق المادة 349 من قانون العقوبات.
المؤسف أن وكالات الأنباء وبعض القنوات الفضائية، نقلت الحالة بصورة مشوهة لتشويه صورة وسمعة مجتمعنا، مع أننا لا نلوم الجهات التي نقلت الخبر من مضابط الشرطة، بقدر ما نلقي باللوم على الجهات المسؤولة عن الشأن الاجتماعي، سواء الرسمية أو الجمعيات والمنظمات التي اكتفت بقراءة الخبر، باعتباره حدثا وقضية عابرة ينبغى أن تتولى البت فيها السلطات القضائية وكفى الله المؤمنين شر القتال.. وما أسهل تعليق قضايانا على شماعة الآخرين!