على نارٍ مشتعلة تحاول كبح جماح برودة تلك الليلة الشتوية، كان الهندي الأحمر العجوز يُحادث حفيده: دائماً ما أشعر بصراعٍ بين ذئبين في داخلي، أحدهما شرسٌ، عدواني، عاشق للانتقام، والآخر مسالم، هادئ، محبٌ للتسامح، فسأله حفيده: وأيهما ينتصر ؟، فردّ العجوز الحكيم: من أعمل على تغذيتهِ جيداً!

مرّت ببالي هذه القصة وأنا أقرأ رسالةً نصية وردتني من أخي العزيز اللواء محمد المرّي مفادها: "إنها الإرادة وليست الإدارة يا بوسعيد"، لم تكن مجرد جملةٍ سجعية عذبة ولكنها تحمل الكثير من المعاني، فهو لا يقصد التقليل من أهمية الإدارة ولكن كل نظريات الدنيا وكافة مفاهيم التنظيم الإداري لن تُجدي نفعاً ما لم تسندها تلك الإرادة التي لا تخبو أمام التحديات.

ولا تتقهقر في مواجهة الظروف الصعبة، ولئن كان الحماس هو الوقود فإنّ الإرادة هي الشرارة التي تُطلق ذلك الحماس وتلهبه للمضي في عالمٍ لا يعترف بالنائمين أو الغاضبين أو الممتعضين، فما تهتم به وبتنميته وتغذيته ستجد نتيجته حتماً!

الإرادة الحقّة لا تعرف اليأس ولا تؤمن بالصراعات، فالمهاتما غاندي لبث سنين طويلة مؤمناً بحق بلاده في الاستقلال من ربقة الاستعمار البريطاني، وموقناً بأنّ طريق العنف لن يُفضي إلا لعنفٍ مماثل، فحرّر الهند سِلماً لا حرباً، والإرادة الحقّة لا تعرف منطق الانتقام، فبعد قرابة ربع قرنٍ في سجون البيض خرج نيلسون مانديلا ليحكم بلاده.

ويؤكد حق جميع الأعراق فيها في العدالة والمساواة بعيداً عن أي انزلاقٍ في تصفية حساباتٍ لا تزيد البلاد إلا دماراً، والإرادة الحقّة لا تعترف بمنطق الإدارة الشهير "قلّل وعودك وزِد نتاجك"، فزايد رحمه الله تعالى أوجد على رمال الصحراء حضارةً ومدنية يقف أمامها المحال فاغراً فاه، ليؤكد بأنّ صاحب الإرادة المتأججة لا يعدو المستحيل أن يكون مجرّد افتراضٍ في قاموسه!

كما تقول الحكمة الأوروبية القديمة: "حيثما كانت الإرادة موجودة في النفس، كانت القدم أكثر خِفة"، فالإرادة رهن الإنسان نفسه، فلا عُذر لمن يتشبّث بأهداب المبررات، فلا هي موهبة ولا هي حقٌ حصريٌ لأحد دون أحد، وحيثما تم قَدْح زنادها كان نتاجها ملموساً وكان العمل أكثر وفرة، لكنها لا تُزهِر في أراضي المتكاسلين البور، ولا تُعرَف لمن أَلِفَ موقف المتفرج السلبي أو تقّمص دور الناقد الناقم دوماً، بل هي لا توجد إلا للطامحين في القمم والساعين لخلق الفارق والواثقين أنّ بإمكانهم أن يجعلوا الصباح أكثر بهاءاً والمَرْج أكثر اخضراراً، فالإرادة لا تعرف الحدود ولا تؤمن بالمعوّقات.

ولا تكترث بالمعارضين والمشككين بجدوى ذاك العمل، بل إنّ أول ما تكفر به الإرادة الحقّة هو الكمال، فما الكمال في حقيقته إلا وجه الخوف المقنّع، الداعي للسلبية وعدم العمل وانتظار تهيؤٍ لن يحصل وظروفٍ لن تتحقق وفي زمنٍ لن يأتي وبشروطٍ وضماناتٍ يستغرب منها المستحيل نفسه!

إنّ الأمم الكبيرة يهمّها في المقام الأول أن تبني الإنسان بشحذ همّته، فدون همّة لن تُدرَكَ قمّة، ودون انسانٍ وافر الطموح، حاضر الذهن، واضح الرؤية، مشتعل الإرادة لن يرتفع شأنُ وطن ولن يفِي بتحقيق أحلامه وطموحاته، فالإرادة هي ما جعل دولةً صغيرة وممزّقة كفيتنام تخرج من ركام الحروب وتتفوّق على البرازيل في النصف الأول هذا العام في انتاج البن لأول مرّة في التاريخ، والإرادة هي ما وضع مدينةً قائمةً على المستنقعات كسنغافورة لتُدهشَ الدنيا باقتصادها القوي وطفرتها الحضارية.

والإرادة هو ما جعل عشائر متفرقةٍ على قفارٍ من الصحراء الجرداء تتّحد لتصبح بعد أربعة عقود قبلةً للسياحة ومركزاً للاقتصاد وموئلاً لأبحاث طاقة المستقبل وواحدةً من أكبر الدول في مؤشر التنافسية كما فعلت الإمارات!

الإرادة سهلةٌ صعبةٌ في ذات الوقت، فهي سهلةٌ في تجدّدها لمن آمن بحُلمه ووثق بقدرته وراهن بأنّ الناجحين لا يزيدون عليه بشيء، وصعبةٌ على من ألف الخمول والسلبية وأدمن التبرّم بما حوله ومن حوله حتى أصبح كما يقول مثلنا المحلي: "مثل العجوز اللي صبّحوها بطلاقها"، فمناطها مرهون بالإنسان نفسه، فالكبير لن يرضى أن يكون عبئاً على وطنه وعابراً على هامش الدنيا.

ومن أراد التفوّق لن يتدثر برداء المبررات ليُسوّغ لنفسه السلبية وعدم العمل، فالصعوبات تحدّ لأصحاب الهمم، والمعوّقات اختبارٌ لتمييز الجادّ من المتواني، وصاحب الإرادة على يقين بأنّ طريق النجاح طويل، هو أشبه ما يكون بسباقات المارثون، من المهم أن يُبقي جذوتها حيّة ولا يتركها تخمد لأول عثرة أو لنهاية أول مرحلة.

إنّ المتفرّج لا يُغيّر شيئاً، وذاك ما دعى زايد رحمه الله ليقول: "اعطوني زراعة، أُعطكم حضارة"، فهو يربط النتيجة بإرادة الجميع وعملهم، فحيثما وُجِدَت الإرادة وُجِدَ المخرج لكل عائق، وما دام مناطها مرهون بنا فمن الواجب أن نعمل على تأجيج شُعلتها دوماً، فنحن فقط من نستطيع ذلك، تماماً كما قال العجوز الهندي لحفيده، فلنختر بعناية من نُغذّيه، فبه سنُعرَفُ في الغد!