رغم كل دعوات أهل البيت السوري من المعارضين والموالين، كما جرى في دمشق مؤخراً، ما زال حريق الفتنة مشتعلا لأسباب داخلية مبررة وخارجية مدبرة، بينما محاولات الجيران لإطفاء الحريق متعثرة، لأن هناك من يحاول الإطفاء بالماء، ومن يحاول إطفاء النار بالنار، ومن يصب الزيت على النار لتزداد اشتعالا، من دون إدراك واعٍ لخطر أن تحرق النيران أصابعه أو تمتد إلى داخل بيته بفعل الرياح الغربية، أو على الأقل بضرر الاختناق بدخان الحريق!

وكلما لاح في الأفق مسعى جاد لإخماد نيران الفتنة من شركاء البيت الواحد أو من رجال الإطفاء المتطوعين، نجد من يسحب خراطيم المياه من حول النيران حتى يفشل في مهمته ولا ينطفئ الحريق، لتأتي النيران على البيت بكامله، لأغراض في نفس يعقوب.. ومع كل يوم يمر، تزداد مخاطر امتداد النيران التي ربما امتدت بالفعل إلى بيوت الجيران في الطوابق العليا، الذين تختلف مبادئهم ومصالحهم وبالتالي مواقفهم واستجاباتهم.

ولأن إطفاء أي حريق يتطلب، أولا، رغبة أهل البيت والجيران في إطفائه وتوافقهم على آلية الإطفاء، وهذا واضح بهدف حقن الدماء ووقف سقوط الضحايا الأبرياء، وثانيا، قدرة أهل البيت على الإطفاء بمساعدة الجيران والأصدقاء، بشرط ألا يكون من بين رجال الإطفاء من يحمل خراطيم للزيت بدلا من الماء أو خراطيم فارغة بغير مياه، وألا يكون من بين من يسمون أنفسهم "مجموعة الأصدقاء"، كثير من الأعداء أو قليل من الأعدقاء.. فإن كل البديهيات تؤكد أن النار لا تطفئ النار، والماء فقط لا الدماء هو الذي يطفئها، ولا بد أن تبدأ عملية الإطفاء أولا، بحصار موقع النيران لمنع دخول ما يزيد في اشتعالها أو السماح بانتشارها، ثم العمل ثانيا بكل وسائل الإطفاء لإخماد النيران نهائيا، وتبريد الموقع والأجواء حتى لا تشتعل من جديد. لكن المشكلة نابعة من موقع الحريق ذاته، إذ تشتعل النيران في الطابق الأول السوري لبناية من أربعة أدوار، الطابق الثاني فيها عربي والثالث إقليمي والرابع دولي.

والمشكلة، أن الطابق السوري مشحون بأنواع من المواد القابلة للاشتعال، ومزدحم بشركاء في البيت بينهم اختلاف في الدين والمذهب والعرق، وأن هذا الاختلاف الذي ظل لقرون ائتلافا يثريه التنوع، تحول إلى خلاف في المصالح حول طبيعة العلاقات في هذا البيت، بعضه منطقي وبعضه بفعل فاعل من بعض سكان الطوابق الأخرى لمطامعهم في هذا الطابق، فسعوا إلى تحويل التناقض إلى تصادم دموي بين الشركاء السوريين الذين يصر كل منهم على مطلبه، لكن الكارثة وقعت عندما أمدوا بعض الشركاء بزيت الحريق!

في النهاية، لا حل للجميع مع استمرار الحريق، ولا حل بصب الزيت العسكري والسياسي والإعلامي والمالي لزيادة النيران التي تهدد الجميع، والتي لن تصيب سكان الطابق السوري فقط، بل كل سكان البناية على اختلاف طوابقهم ومبادئهم ومصالحهم ومواقفهم من شركاء الطابق المشتعل. فالواقع أن الكل أصبح في مأزق وبين خيارات صعبة، ولا خروج من هذا المأزق إلا بتكاتف الجميع لإخماد النيران، والتنادي سياسيا معا للتفاوض على العيش المشترك سلما لا اقتتالا، وفق قواعد متوافق عليها، تحفظ حقوق كل الشركاء وفي كل الطوابق. وهنا فلا نداء لهم الآن، أشرف ولا أنبل من القول "أطفئوا النيران وكفى اقتتالا ودماء وضحايا"!

هذه هي الصورة الأقرب للأزمة السورية في الواقع، التي صنعتها في الأساس عوامل داخلية وعوامل خارجية ذات أضلاع أربعة وأطراف أربعة دولية وإقليمية وعربية وسورية، وأنا هنا أعني الترتيب استنادا على تقارير عديدة تكشف أنه على الرغم من قابلية البيت للاحتراق، فإنه لم يكن ليشتعل لولا إشعال النيران فيه بإشعال الفتنة بين أطرافه، وتشجيعهم على الاقتتال تحت عناوين مختلفة وخادعة، ومدهم بكل أنواع الوقود العسكري والسياسي والإعلامي حتى تأتي النيران على كل سكانه، بدوافع مطامع مختلفة لسكان الدور الأعلى من الغربيين وحلفائهم في الطوابق الأخرى، أهمها تمكين وكيل خدماتهم الصهيوني من الانفراد بالقوة، لتحقيق أهدافهم في الهيمنة على كل الطوابق في "الشرق الأوسط الكبير"!

الشواهد على ذلك كثيرة، منها مثلا ما أكدته الكاتبة الفرنسية شانتال دوبيل، في مقال نشره موقع "ايلترا إنفو"، بأن "ما يجري في سوريا حرب يشنها "الناتو" على دولة عربية ذات سيادة، باستخدام المعارضة الدينية المتطرفة ضد الدولة السورية العلمانية".. وأن "كل ما يجري في سوريا مفتعل من قبل المخابرات الغربية، لزعزعة استقرار الدولة السورية التي لا تخضع، فالغرب يريد استبدال السلطة الحالية بدمى تسمح له بنهب البلاد والاستيلاء على ثرواتها وتوجيه سياستها".. والكلام هنا من الغرب إلى الغرب.. هكذا بكل وضوح!

فهل آن الأوان لمراجعة المواقف بالعقل لا بالعواطف، وحساب العواقب قبل وقوع الواقعة؟!