نعم، لا تقم للمعلم فقط، فالمعلم يستحق ما هو أكثر من مجرد القيام له، والمعلمون سئموا من قيام الطلبة وقعودهم دون أن يغير ذلك من الوضع شيئا، تماما مثلما سئموا من سماع قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي الشهيرة "قم للمعلم وفِّه التبجيلا"، بعد أن ظل الجميع يرددها منذ أن قالها قبل أكثر من سبعة عقود وحتى اليوم، دون أن يتحول هذا التبجيل إلى فعل على أرض الواقع، رغم قيام وقعود التلاميذ لهم كل يوم، فلا أوضاع المعلم المادية تغيرت، بينما أوضاعه المعنوية آخذة في التدهور، مع تسليم الجميع بأهمية التعليم، وبدور المعلم في العملية التعليمية، من قمة الهرم إلى قاعدته.

يطرح هذا الحديث مجددا بدء وزارة التربية والتعليم، اعتبارا من 12 سبتمبر الحالي، إعلان قوائم التربويين المشمولين بالترقيات، التي كان قد وجه بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وأمر بتنفيذها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

هذه الترقيات التي ستشمل 7782 من التربويين، وفقا لما جاء في إعلان الوزارة التي توالي نشر الأسماء يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع. وهي خطوة تفتح الباب من جديد لمناقشة موضوع التعليم بشكل عام، وتحسين أوضاع العاملين في هذا القطاع، الذي توليه القيادة من الاهتمام ما يستحقه.

وليس أدل على ذلك من زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لعدد من مدارس الدولة في أول يوم من أيام العام الدراسي الجديد، ومشاركة سموه أبناءه الطلبة والطالبات الاحتفال بعودتهم إلى المدارس، وإطلاق سموه خلال هذه الزيارة تصريحه الذي قال فيه إن "التعليم أيقونة الحياة، والشجرة التي تتفرع منها الأغصان المثمرة التي تستفيد منها شرائح ومكونات المجتمع كافة".

لا يختلف اثنان على أن التقدير المعنوي ضروري ومطلوب ومهم، لكنه لا يمكن أن يكون هو الطريقة الوحيدة لتبجيل المعلم ورفع روحه المعنوية إزاء ما يواجهه من ضغوط الحياة، ومن مشاق مهنة التعليم التي تحتاج مواصفات خاصة يجب أن تتوفر في شخصية المعلم، لا ليتمكن فقط من إيصال المعلومة إلى الطالب بيسر وسهولة، وإنما ليكون مثالا وقدوة له في الأخلاق والسلوك والتعامل مع شؤون الحياة كافة، لأنه كما قال عنه شوقي في قصيدته "يبني وينشئ أنفسا وعقولا".

وإذا كنا نشترط في من يتصدى لبناء بيت أن تتوفر فيه صفات، أهمها الأمانة والمهارة ونظافة اليد، فكيف بمن يتصدى لبناء أنفس وعقول أبنائنا، إذ من الضروري أن يكون اختيارنا لمن يبني هذه الأنفس والعقول أكثر دقة وصرامة، ومن باب أولى أن نوفر لهؤلاء البناة كل الوسائل التي تجعل من بيئة العمل في قطاع التعليم بيئة جاذبة لمن يعمل فيها، غير طاردة لهم.

تردي أوضاع العاملين في قطاع التعليم، والمعلمين بشكل خاص، ليس أمرا طارئا، وإنما هو مسألة ممتدة، تضرب بجذورها عميقا في قوانين الخدمة المدنية والموارد البشرية التي ولدت وهي تحمل بذور المشكلة، لأنها تفرق بين الوضع المعنوي للمعلم الذي ندعو إلى القيام له كي نوفيه التبجيل الذي يستحقه، وبين الوضع المادي الذي يضعه في درجة أقل، أو يساوي بينه وبين أي موظف آخر لا يحمل العبء الذي يحمله المعلم، مع احترامنا وتقديرنا لكل الوظائف، ذلك أن المعلم يحمل عبء بناء وتنشئة نفوس وعقول فلذات أكبادنا الذين نسلمهم للمعلمين، ونعهد بهم إليهم لتشكيل شخصياتهم، وتحديد مساراتهم في الحياة، ورسم ملامح مستقبلهم.

وهي مسؤولية عظيمة لا تدركها قوانين الخدمة المدنية والموارد البشرية في بلداننا، لكنها قد تنعكس سلبا على جيل ووطن يرتبط مستقبله ارتباطا أساسيا بمدى تطور مستوى التعليم فيه، تماما كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أثناء حضور سموه الطابور الصباحي ومشاركته أبناءه الطلبة والطالبات أداء تحية العلم، في أول يوم من أيام العام الدراسي الجديد.

التبجيل الذي نريده للمعلم ذو شقين لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ شق معنوي هو الذي تحدث عنه وطالب به شوقي قبل أكثر من سبعين عاما. ورغم قبول المعلمين به دهرا، إلا أن هذا التبجيل أخذ في التراجع، فلم تعد للمعلم تلك الهيبة والمكانة التي كانت له أيام شوقي على الأقل.

ويعود جزء من هذا التراجع إلى عدم حصول المعلم على الشق الثاني من التبجيل، وهو الشق المادي الذي لم ينل منه المعلم حقه، إذ ظلت قوانين الخدمة المدنية والموارد البشرية تضع لرواتب المعلمين سقوفا لا يمكن لهم أن يحدثوا ثقبا فيها، حتى لو تجاوزت سنوات خدمتهم ربع قرن، بينما أصبح أي تلميذ من تلاميذهم يتقاضى بمجرد تخرجه، أضعاف ما يتقاضاه المعلم الذي أفنى عمره في تعليم هذا التلميذ، وبناء النفوس والعقول للأجيال التي كانت قبله، وسيبقى يؤدي مهمته لإعداد الأجيال التي ستأتي بعده.

لهذا نتمنى أن تكون مبادرة القيادة، التي بدأت وزارة التربية والتعليم تنفيذها قبل أسبوعين بإعلان قوائم التربويين المشمولين بالترقيات، هي بداية القيام الحقيقي للمعلم، كما نتمنى ألا تكون الأخيرة، لأننا ما لم ننهض بالتعليم فلن ننهض بالوطن، ولن ينهض التعليم حتى يتحول تبجيل المعلم إلى واقع يشعر به المعلمون، وإلا صدق عليهم قول الشاعر إبراهيم طوقان الذي عارض قصيدة شوقي: "لا تعجبوا إن صحت يوما صيحة ** ووقعت ما بين البنوك قتيلا".