كثيرة هي الدراسات المستقبلية والاستشرافية المحلية والأجنبية التي تجرى حول الإمارات، وكثيرة هي المواضيع والقضايا الشائكة التي تحاول تلك الدراسات تشخيص أعراضها ومعرفة أسبابها وعوامل ظهورها وأسباب تفاقم بعضها وأسباب تراجع الأخرى بغرض اقتراح الحلول الناجعة والمناسبة لها.

 وتجرى تلك الدراسات اما بتكليف من صناع القرار المهتمين بإيجاد الحلول المناسبة لتلك القضايا، وإما بتكليف من جهات خارجية أو بيوت خبرة عالمية أوكلت لهم هذه المهمة لأغراض تجارية واقتصادية بحتة. ويكاد لا يمر يوم دون أن نرى ثلة من الباحثين والأكاديميين والخبراء الأجانب يأتون إلى الإمارات بغرض دراسة هذا المجتمع من جميع النواحي: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية لهدف علمي أو لأهداف أخرى تتعلق بارتباط مصالحهم بهذا المجتمع.

وعلى الرغم من كثرة الدراسات المستقبلية الا أن القليل منها موضوعي وجاد يقدم حلولا عملية وقابلة فعليا للتطبيق أو يحاول أستشراف المستقبل بشكل علمي دقيق تبعا لتطور الأحداث وتبلور القضايا، طبعا في ظل تأزم الكثير من القضايا المحلية مثل قضية التركيبة السكانية، الهوية الثقافية والتوسع الحضري والمتغيرات الاجتماعية الأخرى .

ومن مقارنة جملة الدراسات المستقبلية المحلية منها والأجنبية يلاحظ في الكثير من الأحيان تباين في تشخيص العلل الاجتماعية والإشارة إلى مواضع ومكامن الخلل، ولكن الاختلاف يكمن ليس فقط في منهجية البحث المتبعة ولكن في الحلول المقدمة ووسائل وسبل العلاج المقترحة. وبينما تتميز الدراسات المحلية بميزة معرفتها وقربها من الواقع الاجتماعي المعاش وبالتالي استلهامها أسس العلاج من طبيعة ذلك الواقع، تتميز الدراسات الخارجية بميزة أعتمادها على أسس علمية وتطبيقية منهجية بحتة واعتمادها على نظريات علمية جافة واعتمادها أسلوب المقارنة بنماذج عالمية وأن كانت تهمل طبيعة الواقع المحلي وخصوصيته.

وعلى الرغم من أهميتها إلا أن الدراسات المحلية تميل في الكثير من الاحيان، إلى اتخاذ الأسلوب النظري وأحيانا كثيرة العاطفي وغير الموضوعي. وهكذا تعجز عن توقع الحلول العملية القابلة للتطبيق على الرغم من تميزها في جوانب أخرى كثيرة. وبينما تهمل الدراسات المحلية الجانب العلمي تميل الدراسات الخارجية أو الأجنبية إلى الاعتماد التام على الأبعاد العلمية الصرفة لدرجة أن تلك الدراسات تتحول إلى نماذج جافة غير قابلة للتطبيق.

فهي عاجزة عن توقع الحلول المجتمعية الدقيقة نظرا لعدم دقة استنتاجاتها خاصة تلك المتعلقة بالجانب الاجتماعي والحضاري والنفسي لمجتمع الامارات. وهكذا تعد معظم الدراسات المستقبلية الخاصة بالإمارات منقوصة نظراً لإهمالها جوانب مهمة اما بعد العلمي أو الابعاد الاجتماعية والحضارية رغم اعتماد كل منها على منهجية علمية سليمة.

لذا فعلى الرغم من قدم الدراسات المستقبلية حول الإمارات الا أن معظمها لم يتنبأ بدقة لما حصل في الإمارات في الأربعة عقود الماضية، وما سوف يحصل مستقبلًا خاصة في ظل تلك المتغيرات الهائلة والسريعة التي تحدث لدينا بصورة يومية. هذا الأمر سوف يؤثر ليس فقط على طبيعة بعض القضايا المزمنة والمتفاقمة التي يعاني منها مجتمعنا على الدوام بل على الخطط والاستراتيجيات المستقبلية عندنا.

إن نظرة سريعة على مجمل الدراسات المستقبلية السابقة التي أعدت حول الإمارات يتضح لنا أنها ناقشت وعالجت قضايا مجتمعية عديدة عانى منها المجتمع في الماضي، ويعاني منها حاليا، ويتوقع ديمومتها أو تفاقمها مستقبلًا. ويتضح لنا أن معظم تلك القضايا هي نتاج أمين لحركة التنمية السريعة وغير المدروسة أو التوقعات غير الصحيحة لمسار حركة التنمية الشاملة.

فقضية التركيبة السكانية وجودة التعليم والتنمية غير المتوازنة جميعها قضايا عالجتها تلك الدراسات دون أن تقدم لها حلولًا ناجعة ونهائية ولذا سوف تظل تلك القضايا تسيطر على مسرح الأحداث لفترة طويلة قادمة . كما أن قضايا جديدة كقضية حقوق المواطنة والحريات العامة وتصاعد المد الأصولي والهوية الثقافية والطاقة سوف تأخذ حيزاً لا يستهان به من مساحة الدراسات المستقبلية لأنها قضايا استجدت على الساحة المحلية كإفرازات لقضايا مزمنة أخرى.

إن مجتمع الإمارات هو مجتمع شاب، لا يزال في طور البناء والتغير والتبدل. فما يحدث لدينا في شهور يحدث لدى الآخرين في عقود طويلة، وما يلاحظ بالعين المجردة عندنا لا يمكن ملاحظته في مجتمعات أخرى الا بالمجهر. لذا تصبح الدراسات المستقبلية الجادة قضية في غاية الأهمية نظرا لأهميتها في تجنيب المجتمع إفرازات قضايا مجتمعية أخرى ونظرا لأهميتها في توفير موارد مالية وبشرية مهمة وحفظها من الهدر والتسرب.

لذا فنحن في أمس الحاجة إلى دراسات علمية استشرافية جادة تجمع الجانبين المحلي والخارجي، العلمي الموضوعي والنظري، الاجتماعي والحضاري والنفسي، دراسات تعنى بتشخيص الواقع الاجتماعي الحالي تشخيصاً دقيقاً بواسطة محللين مدركين لعقلية المجتمع المحلي وطبيعته وخصوصيته ومحليين مؤهلين ومجهزين بكافة أدوات البحث العلمي الدقيق لدراسة كل ظاهرة وقضية اجتماعية وأقتراح الحلول المناسبة لها.

إن أهمية هذه الدراسات الاستشرافية الدقيقة تكمن ليس فقط في نجاحها في تشخيص العلل المجتمعية المزمنة بل وفي استباقها في ايجاد الحلول الدقيقة والسريعة والتي تضمن استفادة مجتمعنا من جميع موارده المالية والبشرية وتوظيفها لخدمة أمنه واستقراره. كما أنها سوف تحمي مواردنا البشرية والاقتصادية من التسرب والهدر نتيجة تفاقم بعض القضايا المجتمعية غير المتوقعة. بهذا نكون قد حمينا مجتمعنا من أخطار كثيرة محدقة ووضعنا الحلول الناجعة التي تحمي مجتمعنا من تفاقم بعض القضايا السلبية ومن افرازاتها مستقبلًا.