من أصعب الأمور التي يحاول الكتّاب التفكير فيها، أو تخيلها، هي المشكلات الاجتماعية، سواءً على المستوى المحلي أو الخليجي، العربي والعالمي، أما صعوبة ذلك فهي كثيرة جداً، ولا تخلو منها حتى المجتمعات المحلية الصغيرة، لذلك تحولت من مشكلات إلى قضايا، وبعضها كتب عنه آلاف المقالات، ومئات الكتب وعشرات المؤتمرات والندوات، لكنها ظلت صامدة تقاوم كل الحلول.

قد يقول القارئ العزيز: إذاً لماذا الحديث عنها طالما هي بهذه الوضعية؟.

في الواقع هي بسيطة ومعقدة في الوقت نفسه، أما بساطتها فتختصر في أن القرار السياسي يمكن أن يحلها إلا أن المترتبات عليه كثيرة، لذا يتجنب متخذه من قراره، والجانب الآخر فهي معقدة وذلك لوجود العديد من القيود حولها.. سواءً الاجتماعية، السياسية، أو الاقتصادية.

وعلى سبيل المثال ما هي نسبة البطالة في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، سواءً بين الذكور أو الإناث وما هي نتائج ذلك؟.

لنتصور أن رب أسرة لا يعمل، وعليه التزامات شتى نحو الأسرة، بداية بتوفير السكن، المأكل، الملبس، التعليم، المصروف اليومي وغير ذلك، أضف إلى ذلك الحالة النفسية لهذا الإنسان، فهو منكسر أمام أفراد عائلته لعدم تمكنه من توفير الاحتياجات الأساسية لهم، وعليه فإن توفير العمل أفضل ألف مرة من المساعدات الاجتماعية، والتي لم تعد تسد متطلبات الحياة اليومية، مهما حاولت الدولة أن تزيدها بين فترة وأخرى، ألم يقل سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لو كان الفقر رجلاً لقتلته!!

إن هذه المقولة باختصار شديد تؤكد أن الآفة الكبرى في العالم هي الفقر. ومن المؤسف أن الفقر عالمياً في ازدياد على حين أن توفير الأساسيات ممكن، إلا أن الجشع والاحتكار وتزايد الفردية ساهمت في خلق الفقر، حتى في الدول الغنية.

لو تصورنا أن سباق التسلح في العالم تم إيقافه لمدة شهر واحد فقط، لأصبح لدينا ما يكفي لإشباع الأفواه الجائعة في العالم، ربما يكون هذا خيال بعيد عن الواقع، نعم إنه حلم لن يتحقق إلا في أحلام اليقظة، وهي وسيلة الفقراء للتخلص من الإحباط والهروب من الواقع الذي لا يرحم الضعفاء ولا يستطيع أن يهزم الأقوياء.

ومن أعماق الذاكرة تبرز فكرة العدالة والمساواة ... الخ.

ولعل لجوء البعض إلى الدجالين والمشعوذين، تكشف عجز الإنسان في استخدام العقل والعقلانية في التفكير لذا يلجأ معظم الناس إلى الوهم.

وهذا يذكرنا بذلك الذي يضاعف أموال غيره، على حين أنه الأحوج لذلك المال، ربما لا يفكر بهذا أغلب الناس. حيث إنهم يعلمون أنه دجال، وليس بمقدوره عمل ذلك، وإلا لما كان يستغل ضعاف النفوس والإيمان، أولئك الأفراد بشتى الوسائل.

من هنا فإن إعادة دراسة المشكلات الاجتماعية الجديدة بحاجة إلى مؤتمر علمي بعيداً عن الرسميات والإعلام المضلل والأبواق ذات الرنة الدعائية، ومواجهة غول المشكلات بالخطوة الأولى، وهي تحديد تلك المشكلات، والغور في أسبابها ودعوة الجميع لحلها، قبل أن تنتشر كالسرطان الذي لا يمكن علاجه بالكي، وغيره من الوسائل.

إن كتمان تلك المشاكل، قد يحافظ على المظهر الخارجي للمجتمع المتماسك والصلب، على حين أن ذلك يشبه الأبواب الخشبية المتماسكة خارجياً، إلا أنها من الداخل قد أكلتها الأرضة (وهي حشرة لا يمكن رؤيتها، فهي تخشى النور، وحين تعرضها للنور تموت فوراً)، وهذا بحد ذاته الموت البطيء للمجتمع، من دون إدراك ذلك من قبل المجتمع.

بالأمس كنا نتكلم عن التركيبة السكانية، وما يزال الحديث مستمراً لربما للعقدين المقبلين، وحين ذاك قد لا نكون في هذا العالم، ونفكر في الهجرة إلى عالم جديد، بعدما نفقد اللغة والهوية والوطن، فلن تدافع عنا مظاهر الرفاهية ولا الشوارع الواسعة المضاءة ولا حتى التراب الذي سوف ندفن فيه بعد عمر طويل، وتبقى الرموز الثقافية لا يدركها إلا أبناء تلك الثقافة، فما يبكي شعباً ما أو يضحكه لا يدرك من قبل الآخرين.

ومن أصعب الحالات النفسية والبدنية التي يعاني منها الإنسان، هو الاغتراب، ذلك الذي كتب عنه الفلاسفة وعلماء الاجتماع بالدرجة الأولى، ومن ثم تبعهم الآخرون، في تحليل ذلك وعن أسبابه ونتائجه.

أحد الأخوة سأل سؤالاً بسيطاً إلا أن مغزاه كبيراً: هل تمتلك بيتاً أو شقة ما خارج أرض الوطن؟!! سؤال بريء إلا أن مغزاه يجر نحو المستقبل سواءً القريب أو البعيد.