الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي والعربي خلفاً لكوفي عنان لمقاربة الملف السوري، لم يخفِ أن مهمته محفوفة بالمخاطر، وأن فرص نجاحها ليست واعدة، ولم يخفِ أن الأزمة في سوريا كبيرة وأنها تتفاقم، ولم يخفِ كذلك أنه ليست لديه خطة عمل.

 والحقيقة أن ما صرح به ليس فيه جديد لا يعرفه أحد، فبعد مرور تسعة عشر شهراً على بدء الأحداث الدامية في سوريا، لم تعد لأحد فرصة للشك، وهو يشهد حجم الدمار الذي حاق بالمدن السورية وحجم الضياع والتشرد الذي لحق بشعبها، في أن الأزمة تصبح كل يوم أكثر تعقيداً وأشد خطورة.

الزيارات التي قام بها الإبراهيمي واستمع خلالها لمختلف الآراء داخل سوريا وخارجها، ومن ضمنها لقاء الرئيس السوري، لم تقدم له بصيص ضوء في نفق سوريا المظلم، إلا أنها من جانب آخر تساعد المنظمة الدولية على تغطية فشلها، لبعض الوقت، والإيحاء للرأي العام العالمي بأنها لا تزال مشغولة فعلاً بمعالجة الملف السوري.

نعتقد أن الإبراهيمي قد سمع من أطراف الصراع ما أقنعه بأن الهوة بين هذه الأطراف أعمق من أن تُجَسر بمائدة مفاوضات. فقد بدأ يرى أن الحل ربما يكمن خارج سوريا، في عواصم بعض الدول التي يعتقد أن لها يداً في القضية السورية، وتستطيع ممارسة دور إيجابي في اتجاه تسهيل الحلول لهذه الأزمة.

حين مر الربيع العربي في تونس كان ربيعاً تونسياً، وحين مر في مصر كان ربيعاً مصرياً، وفي ليبيا كان ربيعاً ليبياً، على الرغم من أزيز طائرات حلف الناتو في سماء المدن الليبية، وفي اليمن لم يكن الربيع غريباً عن أجواء البلد. إلا أن هذا الربيع حين مر في سوريا، حرصت جهات عديدة في الداخل السوري وخارجه، على ألا يكون ربيعاً سورياً إلا بحدود ضيقة، وهذا ما يجعل الوضع في سوريا أعقد كثيراً مما يبدو للوهلة الأولى.

الصراع الدائر في سوريا ليس حربا أهلية بالمعنى التقليدي للحرب الأهلية، وليس صراعا طائفيا بالمعنى التقليدي لصراع من هذا النوع، مع أن عناصر تلك وذاك ليست بعيدة تماما عن أجواء هذا الصراع.

إنما هو صراع إقليمي خفي، أكبر كثيرا من سوريا ومن القوى المتصارعة فيها، ويمكن أن يتسع هذا الصراع ويتخذ علنا أبعادا طائفية بكل ما للكلمة من معنى. ولعلنا نقترب من لحظة اندلاع الصراع في أبعاده الحقيقية، خاصة بعد أن بدأت الاصطفافات مع هذا الطرف أو ذاك تأخذ مسارات أكثر علنية ووضوحاً.

فقد أعلنت الإدارة المصرية الجديدة انحيازها لصالح القوى المناهضة للنظام القائم في سوريا، ملقية بثقل مصر السياسي والسكاني في هذا الصراع، وأعلنت إيران من جانبها أن لها قوات من الحرس الثوري تعمل في سوريا.

ومن جانب آخر، قد لا نجانب الصواب حين نقول بأن الصراع الدائر في سوريا هو أحد أوجه الصراع بين الشرق والغرب؛ الشرق الذي كان بقيادة الاتحاد السوفييتي والذي تسعى روسيا إلى استعادة زمام قيادته، وهو ليس شرقا بالمعنى الجغرافي، بل شرقا بالمعنى السياسي المعارض تقليديا لسياسات الغرب.

فلم يعد لروسيا من حليف في هذه المنطقة المهمة من العالم، سوى النظام السوري. من هذا المنطلق الصراع في سوريا ليس مرشحا لتسوية قريبة، حيث بدأ الغرب الذي رعى الربيع العربي في الدول التي أشرنا إليها، أكثر تحفظا مع ما يجري في سوريا لخصوصية العلاقات الدولية الشائكة، وبدأت أدواره، في العلن، لا تتعدى الحراك في الجانب الإعلامي والدبلوماسي والمساعدات الإنسانية.

طرفا الصراع يسعيان لتوسيعه، ولكن بطرائق مختلفة ولأسباب مختلفة. ففي الوقت الذي تسعى فيه القوى المناهضة للنظام، إلى الحصول على المزيد من الدعم الدولي، نرى النظام القائم يطمح إلى شيء آخر في سياقات العمل على تجنب انهياره، وهو خلط الأوراق ونقل هذا الصراع إلى دول مجاورة، عن طريق افتعال فتنة تشعل صراعا داخليا في هذه الدولة الجارة، أو فتح معركة محدودة ومحسوبة النتائج مع الدولة الجارة الأخرى، لتحويل طبيعة الصراع وتغيير سماته إلى قتال ذي طابع يتصل بالدفاع عن الوطن.

مقابل ذلك، هناك حرص إقليمي ودولي على عدم السماح لهذا الصراع بالانتشار خارج الحدود الجغرافية السورية، على الرغم من وجود ظروف موضوعية تسمح بانتشاره في مرحلة لاحقة.

النظام القائم في سوريا يخوض حرباً ضد شعبه، أيا كانت الحجج التي يسوقها لتبرير ذلك، ومع امتلاكه لترسانة كبيرة من مختلف أنواع الأسلحة، فشل في حسم الصراع لصالحه على مدى الأشهر التسعة عشر المنصرمة، بل إن الأمر سار عكس ذلك، حيث تمكنت قوى المعارضة بإمكانياتها الضعيفة والمحدودة، من فرض وجود ملفت للنظر في عدد من المدن السورية الكبيرة.

عودة إلى مهمة الإبراهيمي.. إنه لا يمتلك عصا سحرية لتقويم الوضع في سوريا، والحقيقة أنه لا أحد يمتلك ذلك، إلا أن لديه القدرة إذا نجح في قراءة الوضع بكافة إشكالياته المحلية والإقليمية والدولية بشكل موضوعي، وهو ما نأمله، أن يقدم للأمم المتحدة توصيات واقعية بضرورة التدخل لحسم الموقف، والانتقال من استراتيجية ترميم ما هو قائم، إلى استراتيجية تغيير ما هو قائم، فالوضع في سوريا لا يحتمل غير ذلك.

وبحسابات الربح والخسارة، وبغض النظر عما ستتمخض عنه مهمة الإبراهيمي، فإن الصراع في سوريا سيحسم في النهاية لصالح القوى المناهضة للنظام القائم، والمتحالفة إقليميا مع دول لها علاقات تاريخية مع الغرب، ومع الولايات المتحدة بشكل خاص.

فمن خلال التجارب التي شهدناها في العقود المنصرمة في منطقة الشرق الأوسط وفي غيرها من مناطق العالم، خلال حقبة الحرب الباردة وما بعدها، كان الصراع يحسم دوما لصالح الطرف المتحالف مع الغرب، وليس هناك في التوازنات الإقليمية والدولية القائمة حاليا، ما يساعد على إيراد استنتاج مختلف.