بعدما أنهى المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي الجولة الأولى من زياراته واتصالاته مع أطراف الأزمة السورية، الخارجية والداخلية، في دمشق والقاهرة ولقاءاته مع وزراء خارجية مصر وتركيا وإيران وأمين عام الجامعة العربية، قصد نيويورك بحثاً عن تصور لحل سياسي تتوافق عليه الأطراف الدولية.

حيث تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتها السنوية نهاية الشهر الحالي، ويبحث مجلس الأمن الدولي مشروع القرار الروسي لاعتماد "مبادرة جنيف"، التي اتفقت عليها الدول الخمس الكبرى لدعم مهمة المبعوث الأممي، والتي تبدو هي الأساس الأقرب للحل الممكن.

وفيما لا تزال سوريا هي موضوع الحوار والسجال الرئيسي في كل المؤتمرات العربية والإقليمية والدولية، بل وفي كل اللقاءات الرئاسية والوزارية الثنائية، بحثا عن حل تتوافق عليه المصالح الدولية المتباينة، والمصالح الإقليمية المتقاطعة، والمصالح العربية المتشابكة، وعندما يمكن لهذه المصالح الخارجية أن تتوافق، حينئذ فقط يمكن أن تتفق الأطراف السورية على الحل السياسي المطلوب..

 برز إلى مقدمة الأحداث فجأة ملف أزمة جديدة، قد تدفع الولايات المتحدة والغرب إلى مراجعة المواقف في خطط التدخل في سوريا لدعم المعارضة المسلحة، والأزمة هذه المرة أميركية عربية وإسلامية، نشبت عندما تفجرت المظاهرات الشعبية الغاضبة ضد سفارات أميركا في القاهرة وبني غازي وتونس وصنعاء وبغداد؛ عواصم دول "الربيع العربي" خصوصاً، وفي العديد من العواصم العربية والإسلامية عموماً، احتجاجاً على فيلم حقير يشوه الإسلام ويسيء إلى رسول الله محمد، عليه الصلاة والسلام، أنتجه بعض المتطرفين من اليهود الأميركيين ومن الأقباط المصريين المقيمين في أميركا.

ما زاد الأزمة تفاعلا في العاصمة الأميركية، هو وقوعها في توقيت حساس في خضم سوق المزايدات الانتخابية الرئاسية، وتسبب جو بعض الاحتجاجات الهوجاء في مصرع السفير الأميركي وثلاثة دبلوماسيين آخرين، في مكان حساس هو ليبيا، وعلى الأخص في بني غازي، التي هرعت صواريخ "توماهوك" من قواعدها الأميركية، إلى جانب الطائرات الفرنسية وبقية أسلحة حلف الناتو، لضرب قوات الجيش الليبي، حماية لمدينة بني غازي ودعما للمعارضة المسلحة، وفي مقدمتها كتائب "السلفية المقاتلة" وميليشيات "الإخوان المسلمين"، لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي!

وتتناول الصحف الأميركية والغربية، الموضوع من زاوية تشابه الصورة العارية للسفير الأميركي المقتول مع صورة مماثلة للرئيس الليبي الراحل، تقريباً بنفس الأيدي وبذات الأسلحة.. فيما يشبه التحذير من دعم مسلحين متطرفين في سوريا، خصوصاً مع وضوح مسؤولية القاعدة عن هجوم بنغازي ومقتل السفير الأميركي، واتهام مجموعة "أنصار الشريعة"..

اليوم اتضح أن حساب الحقل لا يتطابق مع حساب البيدر! وقد دفع ذلك أصواتاً أميركية لدعوة واشنطن لمراجعة حساباتها، وألا تسقط في نفس الخطأ بمحاولة حل الأزمة السورية على غرار السيناريو الليبي، الذي دعمت فيه من قتل بسلاحها دبلوماسييها، خصوصا بعد أن أكّدت لجنة الأمم المتحدة التي تحقق في النزاع السوري، وجود مقاتلين أجانب في سوريا، وبعد تصريح رئيسها باولو بينيرو، بأن بعضهم انضم إلى الجيش الحر لكن البعض الآخر يعمل مستقلا، بل كان لافتاً قبل يومين، أن تذيع قناة البي بي سي تقريراً مطولاً عن التنظيمات السلفية المقاتلة ضد النظام السوري، وعن كتائب مسلحة ترفع أعلام تنظيم "القاعدة" السوداء!

وبينما كانت التصريحات الغربية على لسان الخارجية الأميركية والفرنسية، تؤكد على دعم المعارضة المسلحة وضرورة تنحي النظام السوري والتلويح بالتدخل العسكري، أكد سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية للدبلوماسيين العرب والأجانب في موسكو، على "الموقف المبدئي لروسيا الذي يقف مع حل المشاكل والنزاعات السياسية الداخلية بالطرق السلمية وبالحوار الوطني والوفاق الشعبي، دون تدخل خارجي"،

وعلى ضرورة الوقف الفوري للعنف ولنزيف الدم السوري، لإطلاق عملية سياسية للأزمة، على أساس قراري مجلس الأمن الدولي رقم 2042 و2043 وبيان جينيف الذي صاغته مجموعة العمل الدولية، فيما أكد الدبلوماسيون العرب على دعم روسيا والدول العربية لمهمة الإبراهيمي، وللعمل على إنجاح اللقاء الوزاري الثاني للحوار الاستراتيجي (روسيا- مجلس التعاون الخليجي) المقبل في الرياض، و"منتدى التعاون العربي- الروسي" الأول الذي سيعقد في موسكو.

ومع موقف المراجعة المحتمل، يمكن للخلاف الأميركي الروسي أن يضيق في تفسير "مبادرة جنيف"، التي قد تصبح أساس المبادرة التي سيبلورها الأخضر الإبراهيمي ويحملها إلى الأطراف في سوريا، للتفاوض على الحل السياسي بما يستجيب لتطلعات الشعب السوري في التغيير، ويكفل الحرية والعدالة والمساوة والكرامة لكل السوريين. فهل يقرر مجلس الأمن ذلك؟..

ربما يبدو هذا هو الاحتمال الأرجح للحل، خصوصاً بعدما فشلت المؤتمرات العربية والإقليمية في بلورة مبادرة متوازنة وواقعية معقولة ومقبولة لحل الأزمة، كما لم يتوصل الوزراء الثلاثة، المصري والإيراني والتركي، في اجتماع الرباعية في القاهرة إلى نتيجة، فقرروا نقل المشاورات إلى نيويورك حيث مجلس الأمن.