كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها لتوها، وهكذا فقد سمح لي بترك عملي في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، حيث حصلت على عمل كمدرس في المجلس البريطاني في القاهرة. وبادرت باستئجار شقة صغيرة، ولكنها تقع وسط البلد بشكل ملائم، وتلقيت دعوة لشرب الشاي من زوجين كنديين تصادف أن كانت لديهما قطة سيامية. كانت القطة حاملا، وتلقيت هدية من الزوجين الكنديين هي قطة وليدة.

كانت القطة قد فطمت حديثا، وتم أيضا تعليمها كيف تتخلص من فضلاتها في صينية مفروشة بالرمل، وقد حذرت الخادم الذي يعمل لدي من أنه سيتعين عليه أن يتحمل المسؤولية الإضافية المتمثلة في رعاية القطة أيضا، وكان معنى هذا أن يقدم لها الطعام مرتين يوميا، وأن يغير الرمل في الصينية التي تتخلص من فضلاتها فيها مرة كل يومين. وكان يمكنني أن أرى بوضوح أن هذه الفكرة لم تعجبه كثيرا، ولذا فقد وعدته بزيادة صغيرة في أجره إذا تولى مسؤولية رعاية القطة أيضا.

كان من الواضح تماما أن أحمد لا يشعر باستلطاف ناحية القطة، وأزعجه بصفة خاصة ضرورة تغيير الرمل في الصينية التي تتخلص فيها من فضلاتها، يوما بعد يوم. وفي حقيقة الأمر لم يطل الوقت قبل أن أدرك أن الرمل لم يكن يجري تغييره إلا مرة أو مرتين كل أسبوع، ولكن لما كانت الصينية تظل في الشرفة الخارجية المطلقة على الشارع، فإنني لم أستشعر أي روائح غير مرغوب فيها في الشقة.

بالنسبة لي، كانت بهجة حقيقية أن أعود من ساعات عملي في التدريس لأجد قطة جميلة ولماحة تنتظرني في الدار، وسرعان ما نشأت بيني وبينها صداقة مدهشة، ولكن جاء اليوم الذي عدت فيه إلى الدار ذات مساء، لأجد أن القطة ليست في انتظاري لتحيتي بموائها العالي، وهي تحييني على طريقتها الخاصة.

سألت في المقهى الموجود في الطابق الأرضي عما إذا كان أحدهم قد شاهد قطة، ولكن لم يكن هناك أحد يدرك أنني أحتفظ في شقتي بقطة، وذلك رغم أن شخصا أو شخصين كانا قد لاحظا أن خادمي أحمد يقوم بصورة متكررة بين الحين والآخر بإلقاء بعض الرمل في الشارع، ثم يمضي بالصينية الخاوية إلى أجمة أشجار مجاورة ليجمع بعض الرمل الجديد.

في ذلك المساء زارني صديقي محمد حبيب إحدى زياراته المنتظمة، فأخبرته باختفاء القطة المفاجئ، وعندئذ سألني: ما الذي قاله أحمد في هذا الشأن؟

قلت: لقد أنكر بالطبع أي معرفة له على الإطلاق باختفائها، وعندما أشرت إلى أنه قد أخذها تساءل: من أجل ماذا؟ ثم أبلغني أنه في مصر لا أحد يأكل القطط.

أضفت: عندئذ أوضحت له أن الناس الذين يحبون القطط مولعون بشكل خاص بالقطط السيامية، ومثل هذه القطط نادر للغاية. وقد شعر بالضيق حقا لدى إشارتي إلى أنه سرق القطة ليبيعها لأحدهم.

وافقني حبيب على أن الخادم لم يكن مسؤولا عن سرقة القطة لكي يبيعها، وأشار إلى أن القطة التي اعتادت الرقاد على الحافة التي تحيط بالشرفة الصغيرة التي توجد فيها صينتيها، قد سقطت إلى الشارع ولقيت مصرعها.

اضطررت لتقبل أن إشارة حبيب هي التفسير الوحيد الممكن لاختفاء قطتي العزيزة، التي كنت أسميها "أُطه" (باعتبار أن هذه هي الكلمة المتداولة في اللغة العلمية القاهرية للإشارة إلى القطة).

انقضى أسبوعان كاملان قبل أن أعود من يوم أمضيته في التدريس في الجامعة، لأجد أحد الرجال الذين يجلسون في المقهى المجاور للمبنى الذي أقيم فيه، يلوح لي من حيث جلس.

انبعث الرجل واقفا وتصافحنا قبل أن يسألني: قيل لي إن لديك قطة لها علامات غريبة؟ أومأت برأسي موافقا على ما يقول. فسألني: بكم اشتريتها؟ رددت قائلا: لقد أعطاني أحدهم إياها هدية.

انحنى الرجل والتقط علبة كرتونية وفتحها فوجدت "أطه" راقدة داخلها، وبدت أصغر كثيرا مما كانت عليه خلال وجودها معي، فخشيت أن تكون قد نفقت، ولكن عندما انسل الضوء إلى داخل العلبة فتحت القطة عينيها وتطلعت إليّ.

قال الرجل: إنها تحتاج إلى الطعام. سألته: كم تريد من أجلها؟ رد: كيفما تريد. فسألته: هل يمكنني أخذ العلبة كذلك؟ رد قائلا: خذهما معا.

أعطيته كل ما كان في جيبي من نقود، فقال: شكرا جزيلا لك.

عندما وصلت إلى الشقة أخرجت القطة من العلبة، ورأيت أن ذيلها قد تعرض للكسر ربما لأن عربة كارو قد مرت فوقه، ومضت تلعق يدي كأنما لتؤكد أنها قد تعرفت علي، فسكبت بعض الحليب في فنجان صغير.

استغرق الأمر أسبوعا من التغذية الجيدة قبل أن تعود "أطة" إلى سابق حالتها، ووجدت خادمي أحمد هو الذي لم يظهر أي سرور لعودتها. وفي حقيقة الأمر أنني في المرة التالية التي دفعت له فيها أجره، أبلغني أنه لن يستمر في العمل لدي، وسيجد لنفسه عملا آخر.