تمثل الإمارات أنموذجاً لدراسة العديد من القضايا المعاصرة المؤثرة في مجتمعها وفي محيطها الإقليمي وفضائها العالمي، فهي أنموذج جيد للمتغيرات المجتمعية السريعة، وأنموذج متفرد للمتغيرات الديمغرافية الهائلة، وأنموذج ناجح للتكاملات السياسية القومية، وأنموذج متميز للمتغيرات الاقتصادية العابرة للقارات، لذا تأتي الإمارات دوماً على رأس أي دراسة علمية جادة تهدف الى دراسة وتضمين التجارب الإنسانية الناجحة وتوثيقها والاستفادة من إيجابياتها وسلبياتها.

فلا غرو أن تصبح دولة الإمارات أنموذجا أكاديميا مميزا للدارسين والباحثين والمتخصصين الذين ينظرون الي التجارب الانسانية بهدف استخلاص الدروس والعبر. وعلى الرغم من معرفتنا بأنه لا يوجد أنموذج تنموي مثالي يمكن تطبيقه والاستفادة التامة منه، فكل أنموذج له مزاياه ومثالبه وأخطاؤه التطبيقية، إلا أن أنموذج دولة الإمارات يبقى أنموذجا متفردا لأنه عبَر مساحات الزمان والمكان وبرز الى الساحة العالمية في زمن قصير جدا من عمر التاريخ .

ونظرة الى الأربعة عقود الماضية وما تم إنجازه خلالها يقدم لنا تأكيدا على ما سبق ذكره . فلا يوجد مجال لم يتحقق فيه إنجاز غير مسبوق، ولا يوجد قطاع لم تطرقه يد التغير الجذري حتى أصبحت الإمارات مضربا للأمثال في الكثير من المجالات التنموية غير العادية.

وعلى الرغم من تلك المتغيرات الإيجابية الهائلة التي شهدتها الإمارات إلا أنه يمكن القول بأن هناك أخطاء تطبيقية حدثت خلال عملية النمو والبناء لولاها لكانت الإمارات الآن في الصدارة كأنموذج تنموي مثالي يستحق التطبيق في أماكن أخرى من العالم.

 فقد كانت هناك أخطاء تطبيقية في مجال السياسات التنموية بعضها خطير والبعض الآخر كبير لا زالت الإمارات تدفع ضريبتها حتى الآن، وسوف تضطر الأجيال القادمة الى تحمل تبعات تلك الأخطاء مستقبلاً.

من الأخطاء التطبيقية التي وقعت في الإمارات هو ذلك الاعتماد الهائل واللامتناهي على العنصر البشري الاجنبي غير العربي وبالتحديد الآسيوي. فقد بدأت الإمارات عملية التنمية بخطوات سريعة جدا، أرادت بها أن تعوض تلك الفترة التاريخية التي عاشتها وهي فقيرة ومهمشة ومهملة.

ووفرت لها موارد النفط والتجارة ليس فقط سبيلاً سهلاً لتنفيذ مخطط التنمية السريع، بل لاستجلاب أعداد غفيرة من الآسيويين الذين رأت فيهم الإمارات عنصرا متوفرا وقريبا ورخيصا ولا يحتاج الى تدريب أو تأهيل.

وبسرعة انشقت الأرض لتخرج غابات خضراء هائلة ظللت الصحراء، وبسرعة أيضا مهدت الأرض لتخرج طرقا سريعة لم تربط فقط بين الإمارات وبعضها البعض جغرافيا، بل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. كان ذلك عاملاً إيجابياً من عوامل التغير في المنطقة التي ظل الثبات فيها هو المهيمن لقرون طويلة، ولكنه أيضا أصبح لب المشاكل الأخرى.

لقد كان الارتياح لتحقيق ذلك التغير غامرا، لدرجة أنه حجب أو أهمل عوامل التاريخ والجغرافيا والعوامل الاجتماعية والثقافية الأخرى. فلم يدرك صناع التغيير آنذاك بأن التغير عادة ما تكون له تبعات إلا بعد حصوله بعقدين على الأقل، ولم يبدأ المراقبون وذوو الاختصاص في دراسة الإفرازات السلبية إلا بعد أن تجذرت وأصبحت جزءاً من التغير المجتمعي والنسيج الاجتماعي للدولة.

أصبحت تلك المتغيرات الديمغرافية أساس المتغيرات المجتمعية الحاصلة، ويمكن أن نبني عليها معظم القضايا التي ظهرت فيما بعد. ولم تأت تلك المتغيرات فرادى بل أتت من خلال جملة من الأحداث.

فهي أحيانا في شكل هجرة غير مقننة أدت الى خلخلة المجتمع نوعيا وجعلت منه مجتمعا ذكوريا بحتا، وأحيانا أخرى ظهرت في شكل تركز سكاني هائل في المراكز المهمة في الدولة مخلفة أزمات مجتمعية متنوعة، وأحيانا ثالثة في صورة اختلاط اجتماعي داخلي وخارجي أنتج مجموعة أخرى من الإفرازات الاجتماعية العصية على الحل، وأحيانا رابعة في ضياع الهوية الثقافية وتراجع استخدام اللغة الرسمية.

هذه الإفرازات كان في الإمكان تجنبها لو كانت هناك خطط تنموية مدروسة ودراسات علمية جادة، والأهم من ذلك كله تكامل في المشاريع والخطط التنموية تجنب الإمارات الكثير من القضايا العصية على الحل.

فكثير من المشاريع المكررة لم تعط النتائج المرجوة، بل نتج عنها إفرازات سلبية قاسية دفعت الإمارات ضريبتها مرتين: الأولى اقتصاديا في صورة استثمارات وقتية، والثانية اجتماعياً في صورة عمالة أجنبية مكدسة تكاثرت في الدولة مستغلة غياب القوانين وبطء تنفيذ الإجراءات .

القضية الديمغرافية هي أم القضايا وهي من أكثر القضايا المجتمعية المؤثرة على سمعة الإمارات واستقرارها وأمنها وخططها التنموية المستقبلية.

ومن الواضح أن هناك رغبة رسمية وشعبية قوية في إغلاق هذا الملف الشائك ووضع الحلول الجذرية التي تضمن مصالح كل طرف بحيث لا تؤثر تلك الحلول على العدالة الاجتماعية التي تميزت بها الإمارات ولا على تباين الفرص الاقتصادية ومصالح الدولة وخططها الاقتصادية الآن ومستقبلاً، ولكن على الرغم من كل ما تبعثه تلك الدلائل من ارتياح وتيقن بأن الأمر تحت السيطرة، وأن هناك عيوناً ساهرة حريصة على إيجاد الحلول الناجعة، إلا أن هناك أيضا دلائل أخرى لا زالت تبعث الخوف وتثير الهواجس بشأن إغلاق هذا الملف قريبا.

فتقديرات المراقبين تقول إنه بين كل عشرة سياح قادمين الى الدولة هناك 6 من الآسيويين قادمون لغرض العمل والاستقرار النهائي. وإذا ما كانت هذه التقديرات صحيحة فهي تعني أننا سوف نظل ندور في نفس الدائرة لعقود طويلة أخرى قادمة، وأننا لن نتمكن قريبا من إيجاد حل للقضية الديمغرافية، ولن نستطيع تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعنا فيها قبل عقود عندما كنا في أول السلم.

إن وجود قرار سياسي عملية مهمة لمعالجة أي خلل، ولكن الأهم من ذلك هو وجود الرغبة الحقيقية والإيمان التام بأن عملية حماية الإنسان والأوطان هي عملية أهم من عملية البناء والعمران. بهذا نكون قد حمينا الأوطان ووفرنا الاستقرار للإنسان وساهمنا في خلق وتوفير الأمان لنا وللجيران .