لا نحتاج كثير أدلة على عمق تجربة الثقة التي زرعتها القيادة في أبناء شعبها، لا سيما فتيات الإمارات، حين أحالت جوهر التحدي من ساحة الاختبار إلى ميدان العمل الواثق بالنتائج، فكانت فتيات الإمارات على قدر المسؤولية رائدات حاضرات محلياً وعالمياً.

وليس مجرد إنشاء لغوي ما نقرره، بل هو واقع وإنجاز تخوضه ابنة الإمارات أمام تحديات النهضة والثقة والواجب، وتدلل عليه آلاف الإثباتات المحلية وأرقى الدلائل العالمية، فكم تقدم الحالة دليلاً على ما نقول حين تكون أعظم مختبرات الأبحاث العالمية، مثل وكالة ناسا لأبحاث الفضاء، ميداناً لحضور شعلة من شعلات الإمارات المتوقدة ذكاءً وحضوراً، وعلماً وتخصصاً، أو تطلب فتاة الإمارات العلم ولو كان في الصين، فتحصل على براءة اختراع من مكتب الملكية الفكرية لجمهورية الصين الشعبية.

فتيات قرأن في كتاب ثقة القيادة، فأنجزن بصمات علمية عالمية يشار إليها بالبنان، وأكدن صدق الطريق والنهج الذي تختطه الدولة والحكومة في تنشئة أبناء الإمارات على حب التنافس والحضور النهضوي الحضاري، والمساهمة في خدمة البشرية بما يعود بالنفع على جميع أبناء الأرض.

عيده المحيربي، تلك الفتاة التي حازت براءة اختراع من مكتب الملكية الفكرية لجمهورية الصين الشعبية، عن اختراع غطاء أكورديون للمركبات، وهي أول براءة تمنح لمواطنة إماراتية من هذا المكتب، بينما غنى وضاح الهنائي وزميلتها هيام أنور البلوشي، كانتا أول باحثتين في مجال الأبحاث العلمية في وكالة ناسا.

وقد أكملت غنى الهنائي عملها كداعمة للأبحاث العلمية للبرامج التعليمية والإيصالية، الخاصة بمسبار كوكب المريخ التابع لوكالة ناسا، والذي يهدف إلى إلهام الجيل القادم من العلماء بالبحث عن المهن المهتمة بالأبحاث الخاصة بكوكب المريخ واستكشافه، في حين أسهمت هيام في تصميم وبناء واختبار عملية إعادة تدوير المياه في سفن الفضاء، من أجل ضمان استدامة مورد ثمين للماء في الفضاء، وكانت مسؤولة جزئياً عن تصميم الأنظمة الميكانيكية وابتكار بيانات سلامة الضغط وتجميعها وتوثيقها، وتحسين أداء عملية التحكم لتلبية احتياجات رواد الفضاء من مياه الشرب أثناء رحلاتهم في الفضاء، على أن يتم دمج هذه التقنيات التي أسهمت فيها، ضمن الجيل القادم من أنظمة دعم الحياة في وكالة ناسا.

شيء يبعث على منتهى الفخر والاعتزاز بثمرة الثقة حين تصادف أهلها فتأخذ منها أحسن ما فيها وتستثمر في الحاضر أرقى ثمرات المستقبل، لتكون جادة في أخذ تلك الثقة إلى حيث يراد لها حيث البناء والعطاء.

وليس هذا بدافع تقرير ما هو مقرر ويعلمه الجميع من الحضور الاجتماعي على جميع الأصعدة للمرأة الإماراتية سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتربوياً، فها هي اليوم تضيف ميداناً جديداً حين تبرز عالمياً في مجالات الاختراع والأبحاث العلمية ودراسات الفضاء، وكأنها تقول: لا نعبأ بحدود المكان لنثبت أنفسنا، بل لا بد أن نترك بصمتنا حتى على مجرات الفضاء.

وشيء قريب من هذا من حيث الهدف، وإن كان بعيداً من حيث واقع التجربة وطبيعة الحالة، ما نطالعه في شتى إماراتنا من حرص لدى النساء المتقدمات في السن، على كسر حاجز الأمية أمام طريق العلم والتعلم، ونسمع ونقرأ عن بعض السيدات "الوالدات" وقد تجاوزت إحداهن عقدها السادس أو السابع من العمر، وهي تطلب العلم والمعرفة غير عابئة برواسب النظرات التقليدية الجامدة، بل تنظر إلى المستقبل وكأنها في أول سلم العمر.

وما يجمع المثالين على تباعدهما، هو حجم الثقة الكبير الذي وضعته القيادة السياسية والاجتماعية في المرأة الإماراتية، وأنها تستطيع إثبات حضورها وتدارك ما فات إن تجاوزها قطار العلم أو سبقها إنجاز الحضارة، لتعود وتحمل هذا السلاح في وجه المستقبل.

شيء لا تمكن ترجمته إلا بصدق التجاوب من الشعب، ودقة رؤية القيادة حين ترى في كل شاب وفتاة مشروع باحث ومفتاح نهضة، نرجو لهم جميعاً أن يواصلوا إدراج بصماتهم في شتى الميادين.

لكن أن تكون هناك تجربة ناجحة أو اثنتان ليس نهاية المطاف، بل لا تعدو أن تكون أول الغيث كما نأمل، لأن التاريخ لا يزال وسيبقى فاتحاً صفحاته لتسجيل الرواد محلياً وعالمياً، ومهما فهمت ابنة الإمارات إكسير الحضارة ومزجته بذكاء مع جوهر الأصالة والهوية والتقاليد، فلن يخشى عليها أن تضع قدمها في شتى صنوف العلم والمعرفة، وأن تلج من أبواب الحضارة جميعها، متسلحة بهوية راسخة، وعلم رصين، وثقة مجتمعية عالية.