في كلمته أمام أحدث مؤتمر لمنظمة إيباك الصهيونية، مجد الرئيس باراك أوباما أمن إسرائيل ورفعه إلى مرتبة القداسة والأولوية القصوى بالنسبة للولايات المتحدة.
كان حديث أوباما في هذه المناسبة عاطفياً واستعطافياً؛ ممزوجاً بنكهة حوارات المواسم الإنتخابية الرئاسية التي لا تخلو من المبالغات في إسداء الوعود للجماعة اليهودية، المشهورة بتأثيرها القوي في موازين التصويت.. إنه التأثير النوعي الذي يفوق بكثير حجم هذه الجماعة من الناحية الكمية.
يهود الولايات المتحدة لا يزيدون على 2% من سكان هذه الدولة عدداً، لكن وجودهم في النخب ذات الصيت والسطوة مالياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً يراوح بلغة الإحصاء حول الـ30%.
لا أدل على وجود أبعاد دعائية انتخابية في مداخلة الرئيس الأميركي الديمقراطي من أنه ومنافسيه الجمهوريين يعرضون على ملأ الناخبين استماتتهم في صيانة أمن إسرائيل، ولكنهم يبدون في مواقفهم الرسمية أكثر تعقلاً وجدية، حين يرفضون اعتبار الحرب على إيران خياراً وحيداً لهم ويمتنعون عن إظهار استحسانهم لهذا الخيار من جانب إسرائيل أيضاً.
بين يدي المناسبة الجماهيرية ذاتها، أظهر بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل نشوة فائضة، وهو يتلقى وعود أوباما الساخنة وتلميحاته إلى ان واشنطن لن تتردد في دك طهران في سبيل الوفاء بوعودها.. وتجلت تأثيرات هذه النشوة في خطابه الاستقوائي، الذي أكد فيه أن مشروع إيران النووي يجب أن يتوقف بأي وسيلة.
لكن ما عرف لاحقاً أن أوباما صارح نتانياهو في لقائهما الثنائي بأنه ما زال حريصاً على المضي في التعامل مع الملف الإيراني بالجهود الدبلوماسية، وأن واشنطن لا تفضل الشروع في إجراء عسكري إسرائيلي منفرد، وانها والشركاء الأوروبيين بصدد تشديد العقوبات والروادع غير العسكرية.
يحق للبعض أن يعزو تباين الخطاب الأميركي على هذا النحو إلى الضرورات الانتخابية التعبوية التي تبيح المبالغات السياسية. لكن الأمر ينطوي على التباسات حقيقية في العقل السياسي والأمني الغربي بعامة وليس الأميركي فقط، إزاء حدود التعاطي مع الهواجس الأمنية الإسرائيلية. وربما تعلقت هذه الالتباسات بالمنظور الغربي إلى وجود إسرائيل برمته.
وليس بلا مغزى في هذا السياق أن تتزامن المراوحة الأميركية بين التصعيد الكلامي والتروي العملي تجاه إيران، مع تحذيرات أطلقها وزير الخارجية البريطانية وليم هيج من "تزايد ضعف الموقف الإسرائيلي بسبب التحولات الشرق أوسطية، التي جعلت وضعها الاستراتيجي في غاية السوء..".
هذه الأقوال النصائحية المخلصة أطلقت في وجه الوزير هيج أبواق الدبابير الصهيونية في أروقة حزب المحافظين البريطاني. لكن المثير أن وزارة الخارجية انبرت في لندن إلى مساندة الرجل وأعلنت استمرار دعمها لخيار الدولة الفلسطينية ضد التعنت الإسرائيلي، وذكرت في بيان لها بالخصوص أن الإسناد البريطاني المالي والفني والسياسي لن يتوقف إلى أن يتحول هذا الخيار إلى حقيقة.
واشنطن ولندن هما أصل الرعاية التاريخية للكيان الصهيوني الاستيطاني؛ لكن العاصمتين حائرتان في التعامل مع التغيرات الفوارة من حول حاضر هذا الكيان ومستقبله.
وقل مثل ذلك عن بقية عواصم عالم الغرب. فإسرائيل التي لم تعرف في نشأتها وديمومتها وإرضاء شهواتها التوسعية سوى لغة القوة وعصيان الأعراف والقوانين، تبدى تمنعاً قوياً إزاء التوسل بغير هذه اللغة.. وتحدوها راهناً نزعة جارفة إلى تطويع قوة الغرب وتسخيرها في سبيل ضمان وجودها وهيبتها وإزالة الأخطار من حولها في عموم الشرق الأوسط.
ولا يحول بينها وبين هذه الغاية التدميرية وعدم الانجرار خلفها، سوى شيء من التعقل وضبط الحسابات مازال يحكم السلوك والسياسات الغربية تجاه هذه المنطقة، لا سيما في ضوء التجارب المريرة لغزوتي أفغانستان والعراق.
ان هيج ومن على منهجه وشاكلته لا ينتقدون تشنج إسرائيل عن قناعات عدائية أو كراهية يضمرونها لها، وإنما يتحركون بالقول والفعل محفوزين بما بات يعرف باتجاه حماية هذه الدولة من نفسها الأمارة بالسوء.
الشاهد في كل حال، أن عالم الغرب اعتقد أنه باحتضانه للصهيونية على المستوى الفكري الإيديولوجي وحمايته لمشروعها وكيانها الاستيطاني، سوف يتخلص مما سمي بالمشكلة اليهودية ويؤسس قاعدة لمتابعة مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية، ويحقق رؤى بعض المهووسين بالتفسير اليهومسيحي للتاريخ.
لكن الواقع ومعطياته المتغيرة، يؤكد أن الغرب قد سلك الطريق الخطأ.. فهو حاول اجتثاث مشكلة وتحقيق مصالح بعينها بصناعة عشرات المشكلات وتهديد ما لا يحصى من المصالح المنظورة وغير المنظورة.
وها هو اليوم بعد أكثر من قرن على نقطة البداية يتساءل، حائراً ومحفوفاً بالهواجس والمخاوف، عن كيفية التصرف مع متطلبات حماية هذا الكيان وأراجيفه وشرهه الأمني الذي ليس له حدود؟