تغيرت معالم الصراع على الحكم في مصر بعد خروج المجلس العسكري من المعادلة السياسية.
الآن تغيرت معالم الصراع، الإخوان المسلمون يريدون استغلال الوضع. فالرئيس مرسي يملك الآن ما لم يملكه رئيس سابق من سلطات، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وأيضا السلطة التأسيسية في ظل عدم وجود دستور.
تشعر باقي القوى السياسية بالخطر من محاولة "الإخوان" وراثة الحزب الوطني في السيطرة على مؤسسات الدولة، وإعادة إنتاج النظام السابق بصورة أخطر بما يستتبعه من تكفير الآخرين وفرض الاستبداد باسم الدين.
وفي نفس الوقت تشعر القوى المدنية بأنها أصبحت مسؤولة عن مواجهة هذا الاتجاه، وبأن عليها أن تعمل على إسقاطه بالطريق الديموقراطي، وأن عليها ان تسعى لكسب تأييد قسم كبير من الرأي العام كان يراهن على حماية الجيش للدولة المدنية، وعليها أيضاً ان تعيد الطمأنينة لأقسام كبيرة من المصريين تشعر بالخوف من انتقال ما يجري في سيناء إلى قلب الوطن، ومن تنامي تيارات التظرف الديني وما يمكن أن تؤدي إليه في دولة كانت وحدتها الوطنية مضرب الأمثال.
في هذا المناخ نجد السعي اللاهث والمتعجل للإمساك بمفاصل الدولة من جانب"الإخوان المسلمين" وحزبها السياسي "الحرية والعدالة". ففي ميدان الصحافة، تم تعيين رؤساء جدد للمؤسسات الصحفية القومية. وتم الإعلان عن تشكيل جديد للمجلس الأعلى للصحافة، وفي ما يتعلق بالحريات تم الاعلان عن تشكيل جديد للمجلس القومي لحقوق الانسان.
وكلها قرارات تسعى لهيمنة جماعة الإخوان وأنصارها على هذه المؤسسات. علماً بأن التشكيلات السابقة لمجلس الصحافة ومجلس حقوق الانسان صدرت بعد الثورة، وكذلك رؤساء المؤسسات الصحفية القومية الذين أطيح بهم كانوا قد عينوا بعد الثورة.
وفي نفس الوقت كان هناك قرار رئيس الجمهورية بتعيين عشرة محافظين جدد. منهم ثلاثة من العسكريين للمحافظات الحدودية، بينما كان ستة من السبعة الآخرين من قيادات الاخوان المسلمين، ذهبوا لترتيب الأوضاع في محافظات لم تعط أصواتها في الانتخابات الأخيرة للرئيس مرسي، ومنهم قيادة كبيرة ذهبت إلى محافظة "كفر الشيخ" موطن المرشح الرئاسي حمدين صباحي ومعقله الانتخابي وهي إشارة واضحة إلى أن "الجماعة" تدرك أنها أمام استحقاق انتخابي بالغ الخطورة بعد عدة شهور.
حيث تتم الانتخابات البرلمانية بعد قرار الدستور الجديد، وحيث تريد الجماعة أن تستغل وجودها في الحكم لكسب هذه الانتخابات، وللبرهنة على أن شعبيتها لم تنخفض كما يقول من يقارن بين النسبة التي حصل عليها الدكتور مرسي في الانتخابات، وبين اكتساح "الإخوان" قبل شهور من ذلك للانتخابات البرلمانية.
في المقابل تدرك الأحزاب المدنية أن أمامها معركة مصيرية، وانها تواجه حزباً في السلطة، وجماعة تملك التمويل والتنظيم بما لا يقارن مع جماعة أخرى أو حزب آخر. ولكنها ترىفي نفس الوقت- أن الاحساس بالخطر يتزايد لدى الرأي العام، وأنه من الصعب ضرب جذور الدولة المدنية المتأصلة في الحياة المصرية.
كما تدرك أن ما حدث في انتخابات الرئاسة كان مؤشراً .. فلم يحصل الرئيس الحالي إلا على ربع الأصوات في الجولة الأولى، ثم نجح في الجولة الثانية بـ51% من الأصوات التي جاء معظمها رفضاً للمنافس وليس تأييداً للمرشح !!
وتدرك القوى المدنية أن نقطة ضعفها هي تشرذمها وانقسامها. وأنها لو استطاعت توحيد صفوفها لاستطاعت منع هيمنة الاخوان المسلمين وحلفائهم من التيارات الدينية من السيطرة على الحكم.
ومع تعدد المحاولات سنكونعلى الأرجح- أمام عدة تكتلات وليس تكتلاً واحداً. ومع ذلك فسيكون هذا أفضل من بقاء التشرذم الحالية.
هناك الآن محاولة لجمع قوى اليسار، ولكنها تواجه عقبات كثيرة، وميراث طويل من الخلافات. وهناك محاولات مشابهة في صفوف الناصريين، وهي محاولات إذا نجحت فسوف تسهل الطريق لتكوين التحالفات الأكبر المطلوبة لخوض الصراع الحالي.
في إطار التحالفات الكبرى هناك محاولة يقودها حزب الوفد وحزب الغد الجديد الذي يقوده أيمن نور، والمرشح الرئاسي السابق عمرو موسى مع عدد من الأحزاب والتيارات الأخرى.
المحاولة الأهم تأتي من جانب عدد من الأحزاب الجديدة التي قامت بعد الثورة وحققت نجاحاً في الانتخابات الماضية وفي مقدمتها "الحزب الديموقراطي الاجتماعي" والتي كانت قد أعلنت عن تكوين ما أسمته" التيار الثالث " قبل شهر.
هذا التحرك يكتسب الآن أهمية مع الإعلان عن حزب "الدستور" الذي يقوده الدكتور محمد البرادعي والذي يستقطب مجموعات كبيرة من الشباب، ومع الإعلان بعد أيام عن "التحالف الشعبي" الذي يقوده المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، والذي مازال يصر على ان هذا التحالف هو "تيار" واسع وأنه سيكون أكبر من حزب، وهو أمر يثير جدلاً كبيراً بين مناصريه.
ومع ذلك، فإن اللقاء لو تم بين تحالف الأحزاب التي انضمت إلى "التيار الثالث" مع حزب الدستور ومع التيار الشعبي المناصر لحمدين صباحي، فإن ذلك سيخلق جبهة مدنية عريضة تتوافر أمامها كل سبل النجاح لخوض المعركة البرلمانية، ولخوض معركة الرئاسة التي يحاول الإخوان تأجيلها بالنص في الدستور الجديد على بقاء الرئيس الحالي في موقعه لحين انتهاء مدته لتفادي معركة رئاسية يفترض ان تتم فور إقرار الدستور كما يحدث في كل الدول الديمقراطية.
السعي المحموم من جانب الاخوان المسلمين للهيمنة على الاعلام، وللسيطرة على المحليات بتعيين المحافظين الجدد.. يعني أن الجماعة تدرك حجم التحدي الذي ستواجهه في الانتخابات القادمة، وأنها سوف تستخدم كل الوسائل لحسم المعركة، خاصة إذا كانت المواجهة مع مثل هذا التحالف الوطني الذي يملك إذا قام بالفعلكل أدوات النجاح.