منذ نهاية الحرب الباردة، بدأت السياسة الخارجية الأميركية تتسم بغياب الاستراتيجية الواضحة. فبعد ما يزيد على أربعة عقود من الزمن خاضت خلالها تنافساً كبيراً وصراعاً خطيراً مع الاتحاد السوفييتي السابق، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حقبة جديدة تماماً لم تتهيأ لمواجهتها.
فقد تسبب انهيار الاتحاد السوفيتي في حدوث فراغ سياسي كبير في جميع مناطق الصراع في العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأصبحت أمام الولايات المتحدة مهمة وضع استراتيجية جديدة على مختلف المحاور، لجني أكثر ما يمكن جنيه سياسياً واقتصادياً وفكرياً من انهيار الاتحاد السوفييتي.
ومع مضي عقدين كاملين من الزمن على انتهاء الحرب الباردة، إلا أن الولايات المتحدة لم تتمكن من صياغة سياسة خارجية واضحة المعالم. وقد كشفت عن ذلك الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة، إثر الانهيارات المتتالية لعدد من الأنظمة السياسية في عدد من الدول العربية في ما يعرف بالربيع العربي، حين اتسمت مواقف الولايات المتحدة من أحداث هذا الربيع بردود الأفعال وليس غير.
حقبة ما بعد الحرب الباردة فرضت على الولايات المتحدة أن تواجه تحديات خطيرة في منطقة الشرق الأوسط، ربما يتطلب بعضها مقاربات مختلفة عما ألفت الأخذ به في السابق، إذ لم تتغير طبيعة القوى المشاركة في الصراع فحسب، بل انسحب ذلك على قواعد الاشتباك كذلك. أبرز هذه التحديات:
1. الحيلولة دون انتشار السلاح النووي.
2. ضمان أمن إسرائيل وضمان استمرار احترام اتفاقيات كامب ديفيد من قبل مصر، مما قد يتطلب ممارسة بعض الضغط على إسرائيل لإجراء تعديلات محتملة قد تطالب بها الإدارة المصرية الجديدة.
3. مقاربة الصراعات الدموية الجارية في سوريا واليمن، وربما في مناطق أخرى لاحقاً.
4. معالجة التوترات التي تشهدها علاقاتها مع إسرائيل حول مستقبل القضية الفلسطينية من جهة، وحول الموقف من البرنامج النووي الإيراني من جهة أخرى.
5. التعامل مع الإرهاب ومنظماته، فكرياً وسياسياً وأمنياً.
6. معالجة التجاذبات والتنافرات التي تسم بها علاقاتها مع كل من روسيا والصين.
7. تقليص وجودها العسكري في المنطقة، دون تعريض مصالحها للخطر.
8. مواجهة اختبارات عسيرة لمشروعها الديمقراطي الذي بدأت بتسويقه في عهد الرئيس السابق جورج بوش، أمام قضايا الأقليات العرقية والدينية والمذهبية التي عزز الربيع العربي طموحات ما كان طافحاً منها على السطح، وأوقد طموحات ما كان مستتراً تحت الرماد.
9. تجميل صورتها التي لحق بها الكثير من الأدران بسبب سياساتها في الماضي.
ومع أن هذه التحديات ليست كلها جديدة، فالولايات المتحدة بقيت عاجزة عن مقاربة البعض منها على مدى عقود من السنين، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وما يختص بأمن إسرائيل، الذي يتداخل بتعقيد شائك في قضايا عالقة مع مصر ومع سوريا ومع لبنان ومع آخرين غير محاددين لإسرائيل، إلا أن عليها مواجهة بعضها في الأمد القريب كيما تتمكن من ضمان سلامة مصالحها على الأمد البعيد، الذي من المتوقع أن يشهد الاستمرار في الصراع مع الإرهاب.
ولكن هناك ما يشكل عامل إعاقة أمام الولايات المتحدة لمواجهة هذه التحديات، أبرزه عاملان: أولهما أن الولايات المتحدة قد وظفت سياساتها على مدى عشرات السنين، في دعم أنظمة غير ديمقراطية لمواجهة الاتحاد السوفييتي، الذي كان يدعو لتوسيع مشاركة الشارع والجماهير الواسعة في رسم السياسات وصناعة القرار.
ومع أن تلك الاستراتيجية قد ضمنت الأمان لمصالحها في المنطقة على مدى سنوات الحرب الباردة، إلا أنها من ناحية أخرى وضعتها في موقف بدأت تعاني من تبعاته بعد رحيل تلك الحقبة. واليوم نرى الولايات المتحدة تحاول بحذر، تقويض الجدار السميك الذي وضعته بينها وبين الشارع العربي، إلا أنها تصطدم بالكثير من الشكوك حول طبيعة نواياها.
أما ثانيهما فهو أشد ما يقلق بعض المختصين في الشأن الأميركي، وهو أن بعض صناع القرار في الإدارة الأميركية لا يزال غير قادر على رؤية الأبعاد الخطيرة، التي قد تتمخض عنها التغيرات التي حدثت في المنطقة والتداعيات التي قد تتركها على طبيعة الصراعات التقليدية وأبعادها، واحتمال تحولها إلى صراعات ترتبط بالهوية الثقافية التي استيقظت بقوة في أجواء الربيع العربي.
والحقيقة أن المواقف الأميركية من أحداث المنطقة، التي يغلب عليها طابع الإحجام، لا يمكن تفسيرها من غير أن نأخذ موقف الداخل الأميركي بنظر الاعتبار. فالإدارة الأميركية تتعرض لضغوط داخلية كبيرة، في طليعتها تراجع الاقتصاد الأميركي مع الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008 من جهة، وتزايد ضغوط الرأي العام الذي يرفض التورط العسكري في أماكن بعيدة عن الأراضي الأميركية من جهة أخرى.
هذا إضافة إلى أن الفترة التي نتحدث عنها، ذات حساسية كبيرة بالنسبة لإدارة الرئيس أوباما، الذي يوشك على الدخول في المرحلة الحاسمة من الانتخابات الرئاسية.
كل ذلك لا يتعارض مع حقيقة أخرى مهمة كشفتها ملابسات ما بعد حقبة الحرب الباردة، وهي أن الفراغ الذي حدث إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، من غير الممكن أن تشغله الولايات المتحدة لوحدها، إذ إن دولة واحدة لا يمكن، مهما بلغت قوتها الاقتصادية والعسكرية، أن تنفرد بصناعة مستقبل العالم.
من زاوية أخرى، لعل آخر ما يفكر فيه واضعو السياسات في الولايات المتحدة، هو الانكفاء نحو الداخل والتخلي عن الدور القيادي الذي اضطلعت به بلادهم على مدى عشرات السنين في الشرق الأوسط، إذ إن من الصعب تصور أن الولايات المتحدة ستبقى واقفة تتفرج على أحداث المنطقة، على الرغم من الإعاقات التي تحيق بقدرات إدارتها في الوقت الحاضر، فالشرق الأوسط لا يزال الأكثر أهمية في العالم كمصدر للطاقة، خاصة للقارة الأوروبية واليابان والصين.
ومع أن استيراد الولايات المتحدة من نفط المنطقة ضئيل جداً، إلا أن الإدارة الأميركية على وعي تام بأن التحكم في السياسات النفطية لا يزال، وسيبقى إلى حين، يشكل أحد المفاتيح المهمة في إدارة الصراعات على مستوى الدول الكبرى.