واقع الحزب الجمهوري الذي كشف عنه مؤتمره العام، يشير، في تقديري، إلى أن فوز رومني بالرئاسة يحتاج إلى حدث أو أحداث استثنائية، تقوض فرص أوباما في الشهرين القادمين، قبل يوم الاقتراع العام في نوفمبر.

والتغطية الإعلامية للمؤتمر العام، كانت أحد التجليات الكاشفة عن أزمة الحزب الجمهوري. فعلى عكس تغطية مؤتمرات الأحزاب في أعوام سابقة، التي كانت تركز على استطلاعات الرأي عشية المؤتمر، وتقدم المرشح في السباق من عدمه، كان الخبر الأول الذي تصدر أغلب كبريات الصحف الأميركية، هو حجم المغالطات المتعمدة والتزوير المعلوماتي الذي انطوى عليه خطاب بول رايان المرشح لمنصب نائب الرئيس، وهو ما يلقي بظلال كثيفة حول اختيارات ميت رومني وحملته ككل.

فرومني، الذي لا يجيد العناية بتفاصيل القضايا، اختار بول رايان رئيس لجنة الميزانية في مجلس النواب، ليكون نائبه، باعتبار أنه قادر على العناية بالتفاصيل، فإذا برايان هو الآخر يتهرب من تقديم أية تفاصيل تتعلق بتكلفة ما يقترحه من برامج، أو حتى تفاصيل تلك البرامج نفسها. والأخطر من ذلك، أن حملة رومني التي رفضت الإفصاح عن الكثير من المعلومات المهمة عن المرشح، أعلنت صراحة، بعد الهجوم الإعلامي على رايان، أنها لن تلتفت لأولئك الذين يدققون في ما يقال من معلومات وحقائق!

لكن مشكلة الحزب الجمهوري أعمق بكثير من مجرد ضعف حملة مرشح الحزب هذا العام. فالحزب بدا بلا رموز سياسية ملهمة، ولا قيادات تاريخية مهمة، ومنقسماً حول قضايا جوهرية. ولعلها من المفارقات الجديرة بالتأمل، أن الحزب في مؤتمره العام هرب من إرث بوش الابن، آخر رئيس جمهوري، فلم يدعه للحضور، كما جرت العادة مع الرؤساء السابقين. وحركة حفل الشاي التي حملت الجمهوريين لمقاعد الكونغرس في 2010، هرب رموزها المنتخبون من المؤتمر العام، أو بالأحرى هربوا من ربط أسمائهم باسم رومني، الذي لا يراه الكثيرون في الحركة يمينياً بالقدر الكافي.

والحزب الجمهوري بدا معبراً، بالدرجة الأولى، عن البيض في مجتمع بالغ التعددية، وصار يستعدي الأميركيين من أصل إفريقي ولاتيني، بل والنساء والشباب. فرغم أن الحزب حشد للمنصة عدداً كبيراً من المسؤولين الجمهوريين ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية، إلا أن القاعة كانت ناصعة البياض! فمندوبو الحزب من الولايات الخمسين، كانوا في أغلبيتهم الساحقة من البيض.

ولا يوجد جديد في ضآلة عدد غير البيض في مؤتمرات الحزب، فقد عكس آخر مؤتمر للحزب في 2008 الظاهرة ذاتها. لكن المفارقة هي في بقاء الظاهرة، لأن غير البيض الذين يتراجع عددهم بانتظام داخل الحزب الجمهوري، يزداد عددهم باستمرار بالنسبة لعدد سكان الولايات المتحدة ككل، والحزب صار طارداً بالفعل للأقليات. فالموقف المتشدد للحزب إزاء قضية الهجرة والمهاجرين غير الشرعيين، ينفر الأميركيين من أصل لاتيني، لأن أغلب الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى أميركا تأتي حالياً من أميركا اللاتينية. وموقف الحزب الذي يرفض دور الدولة، وبالذات الحكومة الفيدرالية، في الاقتصاد، يبعد الأميركيين من أصل إفريقي عن الحزب، لأن الحكومة الفيدرالية كانت دوماً نصيراً لهم ضد حكومات الولايات التي اتسمت تاريخياً بالعنصرية الفجة، ولا تزال حتى الآن أقل عناية بحقوق الأقليات. لكن الحزب أيضاً يستعدي المرأة والشباب بمواقفه المتشددة بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية على السواء.

لكن كل تلك الظواهر هي مجرد أعراض العلة التي يعانيها الحزب الجمهوري في أميركا اليوم. فجوهر أزمة الحزب، في تقديري، هو أنه في العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل، صار ينحو بشكل مطرد نحو اليمين، في بلد يقوم على نظام الحزبين. وفي بداية المد اليميني، نجح ريغان في أن يجر الساحة الأميركية كلها نحو اليمين. فالمواقف التي كانت تعتبر وسطية قبل ريغان، صارت يساراً في عهده، وما كان يعتبر يميناً صار مقبولاً، باعتباره يعبر عن الوسط السياسي السائد. وقد ظل التشدد اليميني داخل الحزب يزداد بشكل مطرد، وحصل على دفعة قوية في عهد بوش الابن، ثم بعده بنشأة حركة الشاي اليمينية.

لكن الذي حدث هذه المرة، هو أن الحزب فشل في جر الساحة الأميركية نحوه. فظلت الفجوة تتسع بين المواقف المغالية في يمينيتها لدى قطاعات مهمة في الحزب، وبين باقي الأميركيين، وبالذات المستقلين الذين لا ينتمون لأي حزب، ويعطون أصواتهم لمن يرونه الأفضل لحظة الانتخابات، فضلاً عن الأقليات عموماً.

وحالة الحزب الجمهوري تلك قد تكون غير مؤثرة في بلدان ديمقراطية أخرى، فيها تعددية حزبية، إلا أنها تصبح مشكلة في أميركا التي تتبع نظام الحزبين. ففي ظل نظام التعددية الحزبية، يسعى الحزب للحصول على تأييد قطاع بعينه من الناخبين، عبر رسالة شديدة الوضوح، موجهة لهم تحديداً، والهدف هو الفوز بأصوات ذلك القطاع، بما يسمح بالاشتراك مع أحزاب أخرى في الائتلاف الحكومي الذي سينشأ. لكن حين يكون النظام المتبع هو نظام الحزبين، يكون على كل حزب، حتى يفوز، أن يسعى للحصول، ليس فقط على أصوات قطاع بعينه، وإنما على أصوات ناخبين آخرين خارج نطاق أعضائه وأنصاره التقليديين، وهو ما لا يتحقق إلا بتبني الحزب لمواقف وسطية، يسهل أن تجتذب قطاعات واسعة من الناخبين.

لهذا، فإن غلو الحزب الجمهوري وانحرافه مزيداً نحو اليمين، هو عقبته الرئيسة التي تحول دون أن يقدم مواقف تجذب الأقليات والمرأة والشباب. ولعل هذا هو السبب وراء الحملة المحمومة للحزب في عدة ولايات، والتي تتحايل بالإجراءات لمنع ملايين الشباب والأقليات من التصويت أصلاً. ومثل هذه المحاولات، أو ربما حدوث كارثة داخلية أو دولية تقوض فرص أوباما، هي، في تقديري، أمل الجمهوريين الوحيد للفوز بالبيت الأبيض.