يلاحظ القارئ للأهداف التنموية للألفية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي بقيت فقط ثلاثة أعوام أمام 179 دولة من دول العالم بما فيها دولة الإمارات، تبنت الأهداف الثمانية للألفية، أن التعليم احتل موقعاً متقدماً من تلك الأهداف، والشاهد أن وزارة الاقتصاد تولت إصدار تقارير الدولة في ما تم تنفيذه من تلك الأهداف.
وما تهمنا الإشارة إليه، هو أن حالة التعليم اعتبرت من أسباب تراجع موقع الإمارات في تقرير التنمية البشرية الدولي الذي يصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، إذ تبين أن مستويات التعليم في بعض الدول الناشئة، مثل ماليزيا وجنوب إفريقيا وسنغافورة، أفضل حالا وأن التلاميذ في تلك الدول دخلوا منذ أمد على خط التعليم الذكي، وهو اتجاه يتم من خلاله تحقيق جودة التعليم والارتقاء ليس بالمناهج فقط، بل بأساليب وتقنيات التعلم، بما في ذلك المعلمون أيضاً.
إن الطفل في الدول الصناعية ينشأ في كنف أسرة خالية من الأمية وخدم المنازل، ويعيش منذ نعومة طفولته في وسط مشبع بالتقنية، فيتعاطى أبجديات المعرفة العلمية داخل نطاق الأسرة ويتعايش معها بسهولة ويسر، بدءا من الروضة ثم المدرسة وبقية المراحل الدراسية الأخرى.
ولعل عدم وجود فجوة معرفية بين البيت والمدرسة، يجعل التعاطي مع التعليم الذكي أمراً سهلاً، ولهذا نجد أن الأوضاع في الدول النامية والناشئة تختلف كثيراً.
وقد أجمعت الآراء على أن مشروع التعليم المعروف بـ"برنامج محمد بن راشد للتعليم الذكي" يعتبر تجربة مبتكرة، تنطلق من قول سموه: "إن رؤيتنا وطموحنا لمستقبل أفضل للإمارات يبدأ من مدارسنا ومناهجنا التعليمية، وإن أجيالنا القادمة تقع عليهم مسؤولية كبرى لتحقيق هذه الطموحات، كما أن مسؤوليتنا تجاههم تحتم علينا إعدادهم لعالم جديد يتطلب مهارات جديدة نريدهم أن يكونوا جاهزين له حتى ينفعوا أنفسهم ووطنهم".
وسيتم تطبيق البرنامج على مراحل، تستهدف أولاها 980 من طلاب الصف السابع الذين يتم تحويلهم إلى فصول التعليم الذكي، وتتولى وزارة التربية والتعليم تنفيذ البرنامج في إطار شراكة مع صندوق الاتصالات ونظم المعلومات وهيئة تنظيم الاتصالات، بالتنسيق مع المدارس المستهدفة وهي 18 مدرسة، وخلال المرحلة التمهيدية التي تبدأ من سبتمبر 2012 إلى يوليو 2016، سيتم تطوير مهارات المعلمين وإعداد المناهج واستكمال البنية التحتية للبرنامج، وتم تحديد ثماني مدارس يبدأ بها البرنامج في كافة إمارات الدولة اعتباراً من الفصل الدراسي الأول، ثم يرتفع العدد إلى 16 مدرسة في العام التالي.
ولضمان سير البرنامج حسب الخطة، سيتم توزيع الألواح الذكية على الطلبة، وقنوات التواصل الفني والتقني بما في ذلك السبورات الذكية، ويتولى فريق عمل فني الإشراف على البرنامج مرحلة تلو الأخرى، ورصد ما يتحقق من أهداف كل مرحلة، حتى يتم تقييم التجربة.
وتفيد معلوماتنا أن الوزارة حرصت على توفير برنامج لحماية الطلاب الذين بحوزتهم أجهزة "أي باد" خلال فترة تواجدهم في المدارس. ولضمان عدم انصراف الطلبة عن متابعة شرح الدروس، سيتم التحكم في أجهزة الطلبة عن بعد، كما سيتم صرف أجهزه للمعلمين لمساعدتهم على تحضير الدروس الكترونياً.
وطوال المرحلة التجريبية لن يستغنى عن الكتاب الورقي، ولكن سيجري تحويله على نحو تدريجي إلى كراس الكتروني مشحون بشتى أنواع المعارف العلمية والأدبية والثقافية والترويحية والفنية.
إن كل الدلائل تشير إلى أن تطبيق "برنامج محمد بن راشد للتعليم الذكي" لن يحدث نقلة نوعية في نظامنا التعليمي فحسب، بل سيحدث تغييراً في العديد من أوجه الحياة الأسرية والاجتماعية، ومن ثم نرى ضرورة أن يتم التعريف بهذا البرنامج الطموح على نطاق واسع. ويتطلب الأمر حسب ما نرى، أهمية تعريف أولياء الأمور بآليات مراحل تنفيذ برنامج التعليم الذكي قبل البدء في تشغيله، حتى يتسنى للآباء والأمهات متابعة سير دراسة أبنائهم عبر الشبكة الرقمية للمدرسة.
وفي تقديري أن تنفيذ هذا البرنامج الذكي وضمان نجاحه، يتطلب مواجهة بعض التحديات المجتمعية، ومن أهمها ضرورة البحث عن السبل التي تساعد على محو الأمية الرقمية لكثير من أولياء الأمور، لأن عصر الأمية الهجائية والأمية الحضارية قد عفا عليه الدهر في معظم بلاد العالم المتحضر. وحتى لا تحدث فجوة معرفية بين مدارس تطبق برنامجاً للتعليم الذكي وأسر غارقة في بحر الأمية الحضارية، نقول انتبهوا أيها السادة.