مع ارتفاع أسعار البنزين مجدداً إلى 4 دولارات للغالون الواحد، تعاود إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، التي تواجه حملة إعادة انتخاب صعبة وتوترات متصاعدة في الشرق الأوسط، التفكير في الاستفادة من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي. وعلى امتداد سنوات، عمدت الإدارات الأميركية إلى شراء النفط وتخزينه لحالات الطوارئ، خشية انقطاع النفط المستورد، كما حدث خلال فترة الحظر العربي بين عامي 1973 و1974.

ولكن منذ عام 2009، أعلنت الحكومة الأميركية أن معظم الأراضي الاتحادية تقع خارج حدود مشاريع التنقيب الجديدة عن النفط والغاز، رغم الاكتشافات الأخيرة الهائلة في مجال الطاقة ووسائل الحصول عليها. وألغى الرئيس أوباما أيضا أكثر الأجزاء حيوية من خط أنابيب "كيستون"، وهو المعبر المقترح من حقول النفط الكندية الى قلب الولايات المتحدة المستهلكة للنفط، فيما منع الإنتاج في احتياطيات النفط والغاز القائمة في شمالي ألاسكا والساحل المقابل له. ووسط موجة جفاف قاتلة للمحاصيل، تخصص أميركا نحو 40% من محصولها المتضائل من الذرة لإنتاج وقود الإيثانول عالي التكلفة.

وفيما يبدو، فإن الأميركيين ليسوا على استعداد لإنتاج ما يكفي من النفط لتلبية شهيتنا المتزايدة باستمرار للبنزين. ومع ذلك، فإننا للحفاظ على معقولية أسعار الغاز في عام الانتخابات، سنعمد بالتأكيد إلى الاستفادة مما خزنه لنا أسلافنا في مرحلة من المراحل.

وهذا النوع نفسه من الأنانية قصيرة النظر يتسم به الجدل بشأن الاستحقاقات والعجز. إذ يتهم الجمهوريون أوباما باقتطاع ما يزيد على 700 مليار دولار من برنامج "ميديكير" لتمويل استيلائه الفيدرالي الجديد على الرعاية الصحية. ويرد أوباما بأنه من شأن الميزانية التي اقترحها الجمهوري بول ريان إما أن تخصخص "ميديكير" أو تنهيه كما نعرفه. ولكن في كلتا الحالتين، فإن تكاليف "ميديكير"، في غياب أي تغييرات كبرى، ستتضاعف تقريباً في غضون السنوات العشر المقبلة، وتتسبب بإفلاس النظام برمته.

ولم يحدث أن واكبت الزيادات الضريبية الدورية لدعم برنامج "ميديكير" الارتفاع المستمر في النفقات، مع التزايد السريع لأعداد المستفيدين كبار السن وتقلص عدد الدافعين الأصغر سناً. ويصر مواليد مرحلة الستينات على عدم اقتراب السياسيين من مدفوعات "ميديكير"، ولكن ذلك الطلب غير الواقعي سيضمن دفع الملايين من الفقراء الأصغر سناً في الغالب لقدر أكبر من المال لقاء عدد أقل من الخدمات، إن وجدت.

ومنذ عام 2001، أضافت الحكومة الفيدرالية أكثر من 10 تريليونات دولار إلى الدين الأميركي. وحتى من يفترض أنهم أكثر مخفضي الميزانية صرامة يعترفون بأنهم لا يستطيعون تحقيق توازن واقعي في الميزانية في غضون السنوات العشر المقبلة، ناهيك عن سداد الدين الوطني الإجمالي، الذي قد يصل قريبا إلى 20 تريليون دولار.

ويستطيع الجيل المسؤول حالياً عن البلاد تحمل هذا النوع من الاقتراض المتهور، لا لشيء إلا لأن أسعار الفائدة لا تزال في أدنى مستوياتها. ولكن في حال تفاقم التضخم، فإن فوائد هذا الدين الهائل ستضمن اضطرار الأجيال المقبلة إلى التضحية من أجل سداد ما أنفقه آخرون ولوا منذ زمن طويل بتهور شديد.

ونادرا ما شكك الأميركيون في قيمة التعليم الجامعي، حتى الآن. إذ تستمر تكاليف التعليم في الارتفاع، وتزداد فرص العمل المتاحة لحاملي درجة البكالوريوس ندرة. ومع ذلك، فقد عمدت الجامعات إلى إضافة طبقات من البيروقراطية الإدارية غير الضرورية، وقدمت لطلابها خدمات أقرب إلى خدمات المنتجعات منها إلى خدمات المؤسسات التعليمية.

والنتيجة هي وصول إجمالي الديون الطلابية إلى تريليون دولار، مع مضاهاة تكلفة التمويل الجامعي لتكلفة الحصول على رهن عقاري لمنزل ضخم.

ومع ذلك، فإن قلة من الجامعات تبدو على استعداد لتجميد رسومها الدراسية أو خفضها من خلال التخلص من أي مسؤولين لا لزوم لهم، وتكليف أعضاء هيئة التدريس بتدريس المزيد من المقررات، وتقليص الامتيازات ويفاقم ارتفاع تكاليف صناعة التعليم العالي تضخم الديون الطلابية، التي سيستغرق سدادها عقوداً من الزمن.

ويتزايد الحديث عن طرقنا وجسورنا وسدودنا المتداعية عما كان عليه في ستينات القرن الماضي، وهي المرحلة الأكثر فقراً بكثير.

وتعد عبارة "أكل بذور العام المقبل" كناية عن اضطرار المرء إلى وضع نفسه في الموقف الخاسر المتمثل في تعريض المستقبل للخطر في سبيل تجاوز الحاضر. ولذلك، فإن تلك الإشارة لا تنطبق تماماً على أميركا المعاصرة. فعلى عكس المزارع الذي يفقد محصوله للجفاف والآفات، ويضطر بالتالي إلى العيش على بذور العام المقبل، فإن الأميركيين ليسوا معرضين لأي إكراه من هذا القبيل.

إننا لم نضطر إلى الوقوع في معضلاتنا بحكم الطبيعة، ولكن بملء إرادتنا ببساطة، وبفعل جشعنا وحماقتنا.