بات الإنسان العربي، سواءً في مشرقه أو مغربه، شمالاً أو جنوباً يعيش حالة من الذهول والصدمة بين مصدق لما يجري أو مكذب له تماماً، فهل يعقل أن يتم تحول المشهد السياسي إلى مسرحية هزلية أبطالها مجموعة من الأفراد ممن لم يكن لهم وجود قبل ما سمي بالربيع العربي وأصبحت مصائر الأمم والشعوب بيد من لا يعرف ماذا سيفعل في الغد، اللهم إلا جر البشر نحو الهاوية.

من قبل ذلك ظن الناس أن التغيير نحو الأفضل هو القادم، ولم يكن يخطر ببالهم أو حتى مخيلتهم العودة للوراء من جديد، تحت مسميات، استغلتها الأحزاب السياسية لتحقيق الوصول إلى السلطة، فلا النوايا الحسنة تستطيع حل مشكلات تلك المجتمعات ولا الخطابات بكافة أشكالها وألوانها، فلم يعد التلاعب بمشاعر الناس يخفف من معاناتهم اليومية.

قد يحاول بعض الكتاب التأكيد على اعطاء أولئك فرصة من الزمن حتى يبرز ما قد يستطيعون فعله لحل تلك المشكلات المستعصية على الحل، ولم يعد الأخذ بالشكليات الديكورية ينطلي على العامة من الناس ولم يعد التحكم بالإعلام ممكن في ظل ثورة الاتصالات وتوفر وسائل المعرفة لدى الإنسان مما كان يجعله سجيناً في غرفة التضليل الإعلامي، والآن هو قادر على الإدراك والوعي بأن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة قد انتهى بصورة لا عودة لها.

لقد برزت ظاهرة الهجرة من الوطن، هرباً من القمع والقتل والتعذيب إلى مناطق أكثر أمناً وإنسانية للباحثين عن الحياة والكرامة، ولعل بث صور الأطفال والنساء وهم أموات، يقشعر لها البدن، ويزيد من غضب الإنسان على تلك الأنظمة التي فقدت ذراتها الإنسانية، وبات المحافظة على السلطة، أهم من دماء أبناء الوطن.

لم يعد أحد يستمع إلى نداءات الأطفال والأرامل وحتى تلك العجوز التي تريد أن تعيش بسلام لما تبقى لها من العمر.

إنها مهزلة القرن الجديد، وسكوت منظمات حقوق الإنسان عن الدفاع عنها، بل كأن البعض يتلذذ بعذابات الإنسان العربي والمسلم بشكل عام.

لم تعد معظم الأقطار العربية مكاناً آمناً للعيش، بل هي طاردة لهم، للضياع في أرجاء المعمورة، لكن من يتحمل آلاف من البشر هاربة نحو الأمن والأمان؟

كان الشعار المرفوع أن الإسلام هو الحل، أو ان شيئا آخر هو الحل، لكن تأكد بالملموس ان تلك الحلول ما هي إلى حصان طروادة للوصول إلى السلطة والتحكم بالعباد لاحقاً.

من مآسي الجيل الحالي من العرب أن يعيش الهزائم والقلق والتوتر، وأن يعاني من الأمراض النفسية كافة نتيجة لهذه الأوضاع العامة.

إلى متى سيظل هذا الوضع قائماً، وإلى متى سيظل البركان هادئاً، من المؤكد أن موعد نهوضه قريب وبصورة لا تحمد عقباها. فهل يعود العقلاء لوقف هذا التدهور، وإعادة الحياة لمجراها الطبيعي..

هل هي مرحلة من العبثية واللامنطقية التي تمر بها المجتمعات العربية، فلا هي تعيش الربيع أو الصيف أو الخريف أو الشتاء القارس، إنها حيرة وضبابية وعواصف رملية، تقرب الإنسان من الربع الخالي ليغرق في رماله بشكل تدريجي ولا منقذ له إلا معجزة، وهذا ليس زمن المعجزات.

قد يبرز من جديد الشعار القديم ما العمل؟! إن الخطوة الأولى هي بث الأمل والعمل لدى الشعوب من جديد، والتمسك بمبادئ العدالة والحرية وسيادة القانون المكتوب من قبل الإنسان كل في بلده وقطع سلاسل التبعية للمذاهب والطوائف وغيرها من القيود التي قتلت الإنسان في كل مكان.

لقد تأكد للمتابع لما يجري هنالك في العديد من البلدان العربية وغيرها، أن خلاص الإنسانية في اتباع نهج التطور والتغيير البطيء وليس باتباع الانقلابات والقفز على كرسي السلطة دون تغيير في البنية التحتية وبالتالي في البنية الفوقية.

كم من شاب ضاع عمره وطموحاته وأحلامه نتيجة للسير في الطريق الخطأ من الأساس، وكم من طفل لم يستمتع بطفولته، وطفلة فقدت الحضن الدافئ، وشيخ فقد العصا التي يعتمد عليها من مسيرته في طرق الحياة الجميلة والمختلفة.

إنها اللحظة المناسبة لرفع راية الحياة لا الموت من أجل لا شيء إلا ارضاء السادية لدى بعض من يمتلك السلطة من دون وجه حق، ويتلاعب بحقوق الآخرين من دون رادع.