عندما تم تعيين توني هايوارد رئيساً تنفيذياً لشركة BP العملاقة، أكّد أن السلامة والأمان يتصدران قائمة أولوياته، ولذا ألزم جميع موظفيه بوضع غطاء على كوب القهوة عند تجوالهم في المكاتب، ومنعهم من إرسال أو استقبال رسائل الهواتف خلال قيادتهم لسياراتهم.
وبعد ثلاث سنوات من هذا الهوس، انفجر حقل "ديب ووتر هورايزون" التابع للشركة في خليج المكسيك لخللٍ في اشتراطات السلامة، ليقذف بما كميته 4.9 ملايين برميل من النفط الخام، مُشكّلاً أسوأ كارثة نفطية في تاريخ البشرية بأكمله!
أحياناً كثيرة يراودني شعورٌ بأنّ من يتحدث كثيراً عن شيء محدّد ويتباهى بامتلاكه له، فإنه في الحقيقة يفتقده بشدة ويحاول اخفاءه عن أعين الآخرين حتى لا يروا ذلك الخلل الكبير، خاصةً إذا أيد الواقع المعاش ذلك الشعور.
فتقمّص المسؤول لدورٍ معيّن لا يعني بالضرورة استيفاءه لشروطه وامتلاكه لقدراته المطلوبة، والحديث عن الاستراتيجيات الفضفاضة والأحلام الكبيرة، لا يعدو أن يكون قفزاً للمجهول لمن بيّنت الأيام افتقاده لتلك القدرات القيادية، الكفيلة بوضع المؤسسة دوماً على المسار الصحيح.
الاختيار السيئ أو المتسرّع لشاغلي المناصب الحيوية في المؤسسات أمرٌ لا تتوقف تبعاته السلبية، وتلك الحصانة "المُخدّرة" لأولئك الأشخاص نتيجة مسمياتهم الوظيفية، لن تقود المؤسسة إلا لمزيدٍ من التخبط والغرق أكثر في الرمال المتحركة.
فالباحثون عن العصا السحرية لدى الآخرين، سينتهي بهم الحال ليعضوا أصابع الندم لاحقاً، بعد أن يكتشفوا أن التغييب (الاختياري) لعوامل النجاح المؤسسي، لم يقدهم إلا لمزيد من الفشل وصعوبة أكبر في العودة لمرحلة التعافي. وبسبب ازدياد حالة الهلع هذه، يتم البحث عن حامل عصا سحريةٍ آخر لتستمر قصة التخبّط، ولكن الأماني دون وجود إعداد منطقي وتوقعات معقولة، لن تعدو أن تكون مجرد حلم آخر نصحو بعده على واقع أشد قلقاً!
عندما أخطأت "هيوليت باكارد" بتعيين كارلي فيورينا رئيسة تنفيذية للشركة، رغم خلو سيرتها من الإنجازات، قامت المذكورة بخطوة كارثية ودون اعتراض من مجلس الإدارة، بإهمال سوق الشركة الرئيسي وعصب ربحيتها الحيوي وهو الطابعات.
والتوجه لسوق الحواسيب وإنفاق 24 مليار دولار لشراء شركة مترنحة هي "كومباك"، مما أدى لسقوط مدوٍّ في عوائد HP وإقالة كارلي عام 2005، والإتيان بمارك هيرد الذي تمت إقالته رغم أنه أعاد الشركة للربحية من جديد، بسبب قضية أخلاقية، وتعيين فاشل آخر هو ليو أبوثيكر.
والذي بدأ بالتخلص من أنشطة الحواسيب في الشركة، مشككاً بوضعيتها غير السليمة ومقترفاً العديد من الأخطاء الفنية التي أقلقت أسواق المال، ليسقط سهم الشركة 60% عن قيمته أيام مارك هيرد، وتتكبد خسائر فادحة أدّت لإقالة المذكور عام 2011 وتعيين ميج ويتمان الرئيسة السابقة للسوق الافتراضي ebay، والتي بدأت مسيرتها بتسريح 27 ألف موظف.. فكل مسؤول لا بد أن يقوم بخطوة كبيرة حتى يُقال بأنّ لديه شخصية قوية، ولا يهم إن كانت تلك الخطوة للأمام أو للخلف!
إنّ تصنّع القدرة ليس كامتلاكها، وادّعاء الإمكانية ليس كوجودها، فتقمّص الدور دون وجود قدرات حقيقية، لا بد أن ينكشف لاحقاً بعد أن يكون الضرر قد استفحل والحل قد أشرف على الاستحالة.
ومن غير المنطقي أن نرى شخصاً يؤكد أنّ موسم الحصاد سيكون وافراً ووفق ما وعد به، إن كانت النبتة لم تخرج أصلاً، وأنّ إلغاء المنطق بضرورة وجود مراحل متوالية وواضحة التكوين ومتوافقة مع التصوّر الأول، لهو عبثٌ لن ينتهي إلا لمزيد من التخبط وإهدار المال والجهد والوقت، والتخلّف عن سباق النجاح مع الكبار.
ومن يطلب أن ننتظر عدة سنين حتى تخرج نتائج النجاح على مؤسسةٍ ما، لا يعدو أن يكون "ضارب ودع" يمثل دور الخبير المتمكن، فالنجاح لا بد أن تظهر آثاره بشكلٍ متواصل، حتى نتيقن أننا نسير في الطريق الصحيح، لا أن ننتظر عدة سنين قد نجد أنفسنا بعدها وقد أضعنا الجمل بما حمل!
حتى المسؤول المتمكن لا يكفي إنْ لم يعتنق حسّ الخطر الداهم دوماً، ليبقى مستعداً ومؤسسته لخياراتٍ أكثر لتحقيق النجاحات المطلوبة، فالطمأنينة والنوم في العسل لا يخلقان مؤسسات كبيرة، بل تكون سهلة المنال من منافسيها الصغار الذين لا يتوقفون عن التجديد في منتجاتهم وفي وسائل جذب العملاء، وفي ذلك المسار مضى آندي غروف رئيس "إنتل" السابق، لإنقاذ شركته الآيلة للإفلاس، وبعد نجاحه قام بتأليف كتابه الشهير: "وحده المذعور من يبقى"!
إنّ أصحاب الفكر الواعي لا يتوقعون، لأنهم ـ في عالمهم المذعور ـ يبنون خططاً عدّة للتناوب بينها وصولاً للهدف المحدّد، مع مراجعة دائمة لمعدلات التقدّم ومعرفة أماكن الانحراف إن حدثت، لتصويبها أولاً بأول، لا تجاهلها أو محاولة إرغام الآخرين على تصديق أن المؤسسة بخير، وأنّ ما يحدث من اخفاقات هو أمرٌ طبيعي وسيزول قريباً.. ولكن قريباً هذه لا تصل أبداً.
فالواعون في الصين مثلاً، كما تنقل مجلة "بلومبيرغ بيزنس ويك" الشهيرة في عدد يوليو الماضي، نجحوا في رفع قيمة أصول أكبر الشركات المملوكة لحكومة الصين، من 360 مليار دولار عام 2002 لتصل إلى 2.9 تريليون دولار عام 2010!
إنّ العالم لا يتغير بالاجتماعات والخطب المنمقة وعروض الباوربوينت الملونة، وإنما يتغير بالقرارات وبتنفيذ خطط واضحة ومنطقية، والأهداف الكبيرة لا تتحقق بتسليط الضوء على الشكليات والغرق في تفاصيل لا تقدّم قدر ما تؤخر، بقدر ما يكون تحققها منوطاً بالتركيز على الأعمال الرئيسية المؤدية، والوسائل الممكّنة لتحقيق تلك الأهداف.
والمسؤول الذي يغمض عينيه كالنعامة حتى لا يصحو على واقع لا يتماشى مع ما يتمناه، ولا يتوقف عن بيع الأوهام وتصنّع الدور واستدرار المبررات التي لا تتماسك أمام الحقائق، لن ينتهي به وبمؤسسته الحال إلا لفشلٍ ذريع.. وكم كان من الأولى أن يُحكم توني هايوارد غطاء الحقل، بدلاً من غطاء كوب القهوة!