في الماضي، أي بعد شهر فقط من أزمة محطة فوكوشيما النووية الناجمة عن موجة تسونامي في مارس 2011، انعقد المؤتمر العالمي 2011 لمناهضة القنابل الذرية والهيدروجينية، في مدينتي هيروشيما وناغازاكي، وهما المدينتان اليابانيتان اللتان دمرتا في عام 1945 نتيجة إلقاء قنابل ذرية، حيث أصبح هذا التاريخ مرتبطاً إلى الأبد بميلاد الأسلحة النووية والعصر النووي.

وقد تشكل المؤتمر في عام 1995، للعمل من أجل حظر الأسلحة النووية، وتعزيز ودعم التضامن مع الناجين من الانفجار وضحايا الكوارث النووية.

وقد انضم للمؤتمر عدد من ضحايا كارثة "فوكوشيما" يقدر بنحو 70 ألف شخص، وذلك في اجتماع أغسطس العام الماضي، لحضور أول عرض لبيانات حول الآثار المدمرة للتلوث الإشعاعي.

ووفقاً للتقارير التي يقدمها شهود العيان هؤلاء، فإن هناك ما يقرب من 300 ألف طفل من ضحايا فوكوشيما ما زالوا يعيشون في حالات بائسة، ويتعرضون باستمرار لمخاطر الإشعاع. فالمخاطر الصحية الناجمة عن الإشعاع تفتك بالأطفال أكثر بكثير مما تتركه آثار الإشعاع على البالغين، ولذلك تشكّل اختبارات الدم السنوية الآن لتتبع ظهور محتمل للمرض، ضرورة للحفاظ على الحياة.

وبسبب تلوث التربة، فإن ثمن مساحة الأراضي في منطقة فوكوشيما لا تصلح للزراعة مرة أخرى، ويمنع منعاً باتاً استهلاك المحاصيل المزروعة في تلك الأراضي.

وقد أدى هذا إلى تعرض العديد من الشركات المحلية للإفلاس، في حين يوشك عشرون ألفاً من أصحاب الأراضي على الإفلاس أيضا. كما قامت شركة "طوكيو للطاقة الكهربائية" بتسريح 7400 موظف لديها، بسبب التعويضات المالية التي ترتب عليها دفعها لضحايا الحادث النووي، وحجم استثماراتها الهائلة في مجال الطاقة النووية، والذي يواجه الآن مصيراً مجهولاً في اليابان وأماكن أخرى من العالم.

وتحسباً لخطر التعرض لكارثة، فإن الآثار المتداعية لكارثة فوكوشيما تتجاوز شمال اليابان، فقد أصبحت الحوادث النووية عالمية بشكل واضح. وعلى الرغم من مرور 26 عاماً كاملة منذ اندلاع كارثة تشرنوبيل في الاتحاد السوفيتي السابق، لا يزال السكان غير قادرين على قطف نباتات فطر عش الغراب، التي تنمو في أجزاء معينة من جنوب ألمانيا، بسبب الأضرار الناجمة عن الإشعاع التي تحملها الرياح. فالإشعاع لا يعرف حدوداً جغرافية، ولو أن حادثة نووية وقعت على شواطئ الصين، فإن المواطنين في كوريا واليابان سيكونون معرضين حتماً للنشاط الإشعاعي.

وفي ظل تجاهل مخاطر بيئية عديدة، فإن الطاقة النووية لا قيمة لها بمقياس تحليلي بالدولار والسنت. فالطاقة النووية، ببساطة، لا تعتبر اقتصادية عندما يتم قياس أثر المصروفات والرسوم غير المباشرة، وبالتالي لا يمكن أن تنافس في سوق مفتوح ومدعوم لتوليد الكهرباء.

وفي أكثر الأحيان، فإن دافعي الضرائب يضطرون، في الحقيقة، إلى سداد الفاتورة للتخلص من النفايات المشعة ومخزونها. فقد أصبحت تكاليف التغطية التأمينية لمنشآت الطاقة النووية فلكية، وتتساوى تكاليف إغلاق محطة نووية بعد انتهاء عمرها التقريبي، مع تكاليف بناء محطة لأول مرة.

ومثل الكثيرين، فإننا نعتقد أن البديل المنطقي الوحيد لملء الفراغ المحتمل أن يخلفه الاهتمام الباهت بالطاقة النووية، هو استثمار أكبر في الإنتاج المتسارع للطاقة الطبيعية والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لزيادة ما ينتج عالمياً من الوقود الأحفوري.

فالكمية الناتجة من طاقة الرياح وحدها في جميع أنحاء العالم، يمكن أن تزيد بنسبة 30% سنوياً، وفقاً لأكثر التقديرات تحفظاً. فالدنمارك تولّد ربع طاقتها من الرياح، في حين أن ثلاث ولايات ألمانية تلبي نحو 60% من احتياجاتها من هذا المصدر واسع الانتشار. وفي ولاية أيوا الأميركية، والتي تعد المعيار الأميركي للاستثمار في طاقة الرياح، تنتج الرياح نحو خُمس احتياجات الطاقة في الولاية.

ويؤكد تقرير نشر في مجلة "ساينس" الأميركية، أن الصينيين يمكن أن يزيدوا الإنتاج الحالي للبلاد بمعامل يصل إلى 16% من الكهرباء التي يتم توليدها من طاقة الرياح.

وهناك مجمع لتوليد الرياح في مقاطعة غانسو في شمال غرب الصين، من المقرر أن تصل طاقته الإنتاجية إلى 38 ألف ميغاواط، لتوليد ما يكفي لتوفير احتياجات الكهرباء الإجمالية في بلدان بأكملها مثل بولندا ومصر.

إن مثل هذه المصادر النظيفة للطاقة المتجددة، يجب أن تستمر في الاستحواذ على الجزء الأكبر من استثماراتنا الجديدة في إنتاج الطاقة.

من جزيرة "ثري مايل" وتشيرنوبل إلى فوكوشيما، أثبتت الطاقة النووية أنها غير قابلة للتنبؤ، ومحفوفة بالمخاطر في أحسن الأحوال. فالمباني التي يشيدها الإنسان، بطبيعتها تتسم بأنها عرضة لقوى الطبيعة الأم، خصوصا وسط العواصف الأكثر قسوة والأنماط المناخية عالمياً، وحالة عدم الاستقرار الناجمة عن الألواح التكتونية المتحولة للأرض.

إننا ندرك تماماً أن هذا الفكر متطرف بالنسبة للكثيرين، لكن تجربتنا في شمال اليابان توضح أن الاستثمار المتزايد في مجال الطاقة النووية، يهدّد وجود الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

إن كارثة فوكوشيما، التي تعتبر حالياً جيلاً جديداً من هيروشيما وناغازاكي، في اليابان على الأقل، يتعين أن تدفع بالمجتمع الدولي نحو مسار خالٍ من الطاقة النووية.