من الذي يشتري الديمقراطية الأميركية؟ ممولو وول ستريت، والأخوان كوك، وقطبا الكازينوهات شيلدون أديلسون وستيف وين، من بين آخرين.. وهم يفعلون كثيرا من ذلك في الخفاء. إنها عاصفة كاملة، مزيج من موجات ثلاث توشك على إغراق الحكومة الأميركية كما نعرفها.
وتتمثل الموجة الأولى في أكبر تركيز للثروة في أميركا خلال أكثر من قرن من الزمان، إذ يعتبر أغنى 400 أميركي أكثر ثراء من نظرائهم الـ150 مليونا الأكثر فقرا مجتمعين. وقد بدأ هذا الاتجاه قبل 30 عاما، وهو يرتبط بتغييرات العولمة والتكنولوجيا، التي عرقلت نمو الأجور بالنسبة لمعظم الناس. وهو أيضا نتاج "اقتصاديات الانسياب"، والتخفيضات الضريبية للرئيسين الأميركيين السابقين ريغان وبوش، والانحدار المستمر في قدرة العمل النقابي على المساومة.
والموجة الثانية هي موجة التبرعات المالية المسيسة وغير المحدودة في الحملات الانتخابية، التي أثيرت بفضل قضاة المحكمة الأميركية العليا المعينين جمهوريا؛ روبرتس وسكاليا وأليتو وتوماس وكنيدي.
فقد مثل أولئك القضاة الأغلبية، في أحد أسوأ القرارات في تاريخ المحكمة العليا - قضية "المواطنون المتحدون" ضد "لجنة الانتخابات الفيدرالية" ـ وهو الحكم الذي صدر عام 2010، واعتبر الشركات أشخاصا بموجب التعديل الأول. ومنذ ذلك الحين، عمدت أحكام المحاكم الأدنى إلى توسيع نطاق "المواطنون المتحدون"، ليعني أن أي ملياردير يستطيع التبرع لأي حملة سياسية، وبالقدر الذي يشاء.
والموجة الثالثة هي السرية التامة حول من يتبرع لمن وبكم من المال، إذ إن عدم تطبيق دائرة الإيرادات الداخلية الأميركية لقوانيننا الضريبية بشكل صحيح، يتسبب في ظهور جبهات سياسية تتنكر في زي منظمات "رعاية اجتماعية" خيرية لا تهدف للربح، ولا تحتاج للكشف عن هوية متبرعيها. ونتيجة لذلك، فإن منظمات مثل غرفة التجارة و"كروسرودز جي بي إس"، تستقبل مئات ملايين الدولارات من شركات لا تخبر حتى حملة أسهمها عن المدفوعات السياسية التي تقدمها.
ومن شأن أي من هذه الموجات الثلاث بصورة منفصلة، أن تكون سيئة بما فيه الكفاية، ولكن اجتماعها معا يعني أن ديمقراطيتنا تباع في غمار الإهدار. وفي ظل توزيع أكثر إنصافا وتقليدية للثروات، سيحظى عدد أكبر بكثير من الأميركيين، بفرصة عادلة للتأثير على السياسة. وكما قال الفقيه القانوني الكبير لويس برانديز ذات مرة: "إما أن ننعم بالديمقراطية أو بثروة كبيرة متركزة في أيدي قلة من الأميركيين، ولكن لا يمكننا أن ننعم بالاثنين معاً".
وفي المقابل، فإن انعدام المساواة لم يكن ليشكل مشكلة كبيرة، لو أنه كانت لدينا قوانين صارمة تحد من الإنفاق السياسي، أو، على أقل تقدير، قوانين تلزم بالكشف عن هوية المتبرعين الكبار. ولكن ما لدينا هو تركيز غير مسبوق تقريبا للثروات، وإنفاق سياسي وسرية غير محدودين.
وأنا لا أخلي الديمقراطيين من المسؤولية، فلا يزال المرشحون الديمقراطيون أكثر اعتمادا مما ينبغي على عمالقة كازينوهات وول ستريت وأقطاب الكازينوهات الحقيقية (كان ستيف وين متبرعا رئيسيا للسناتور هاري ريد، على سبيل المثال). وقد وضع جورج سوروس وآخرون غيره، مبالغ مالية طائلة في الخزائن الديمقراطية، وكذلك الأمر بالنسبة لحفنة من النقابات العمالية.
ولكن تأكدوا من أنه مقارنة بما يفعله الحزب الجمهوري هذا العام، فإن الديمقراطيين يقيمون معرضا خيريا لبيع الحلويات المخبوزة. أما عمليات البيع الهائلة للديمقراطية الأميركية فهي اختراع جمهوري، ورومني والحزب الجمهوري هما المستفيدان الرئيسيان منها.
وليس الديمقراطيون هم وحدهم الخاسرون، بل الشعب الأميركي خاسر أيضا. فديمقراطيتنا هي أغلى ما نملك، ونحن نسمح بأن تشترى وتباع وكأنها عقار يطل على المحيط. ما الذي يمكنكم فعله؟ أحدثوا ضجة. طالبوا إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن ترغم دائرة الإيرادات الداخلية على أداء وظيفتها، وعدم السماح لجماعات الجبهة السياسية بالتظاهر بأنها مؤسسات خيرية غير سياسية، لا تحتاج للكشف عن هوية متبرعيها. أصروا على سن تشريع يفرض الكشف الكامل عن جميع المتبرعين للحملات الانتخابية (في الشهر الماضي، حظر جمهوريو مجلس الشيوخ "مشروع قانون الكشف"، الذي كان من شأنه أن يقطع شوطا نحو تحقيق هذا الهدف).
ادعموا الجهود الرامية إلى إبطال حكم "المواطنون المتحدون"، من خلال إدخال تعديل على الدستور يوضح أن الشركات ليست أشخاصا بموجب التعديل الأول. ساندوا تشريعا من شأنه أن يوفر تمويلا عاما للمرشحين الذين يوافقون على القيود الصارمة المفروضة على تبرعات الحملات الانتخابية.
وحتى لو كنتم لا توافقون على واحد أو أكثر من تلك المقترحات، فناضلوا على الأقل لحماية ديمقراطيتنا من فساد المال الطائل، الذي أضحت الآن فريسة له.
ولا تقعوا في فخ التشاؤم المغري، من خلال افتراض أن ديمقراطيتنا فاسدة بشكل يائس، ومتوفرة لمن يدفع السعر الأعلى. وهذا النوع من التشاؤم، هو ما يعول عليه مشترو الديمقراطية الأميركية وبائعوها.
وفي حال تخليتم عن نظام حكومتنا، فإنهم سيفوزون بكل شيء.