المخاطر التي تواجه البشرية هذه الأيام أكثر من أن تُحصى، وأبلغ آماداً من كل الخيالات الجامحة التي جعلت سيناريوهات الحرب الباردة مجرد لعبة بسيطة في حقل واضح المعالم، وذلك قياساً بالسيناريوهات المحتملة. لكن استعادة تلك الاحتمالات التي ترافقت مع الحرب الباردة، والتي كنا نعتبرها الرعب الأكبر، ستضعنا أمام حقائق أدهى وأمر.

في تلك الأيام من خواتم القرن العشرين، بل قبل عقد كامل من نهاية قرن الشيطان ذاك، كان جل السيناريوهات الابستمولوجية الأقرب للحروب المحتملة يؤشر إلى أن توازن الرعب القائم بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة سينقلب إلى حرب كونية مدمرة، إن لم يباشر الطرفان في القيام بتنازلات إجرائية شجاعة، تؤدي إلى نزع فتيل تلك الحرب المحتملة.

ويجمع جُل خبراء الجحيم النووي المحتمل على سيناريو الرعب التالي:

عند أول ضربة نووية ستحترق تماماً مناطق سقوط الصواريخ النووية، وستنتفي فيها كل أشكال الحياة.

بالترافق مع ذلك ستغلي مياه البحار، وستموت فيها الكائنات الحية.

تالياً.. ستفيض مياه البحار على اليابسة وتغرق كامل المدن الساحلية في العالم.

يلي ذلك انتشار الإشعاعات النووية السامّة، الكفيلة بالقضاء على البقية الباقية من البشر والحيوانات والنباتات.

ثم تأتي سحابة نووية داكنة السواد، وتُغلًّف الكوكب، لتمنع وصول أشعة الشمس، فتدخل الكرة الأرضية شتاءً نووياً قد تصل فيه درجة البرودة إلى ما دون الثمانين درجة..

أوردت هذا السيناريو الذي ترافق ضمناً مع برنامج حرب النجوم المُعلن من طرف الريغانية السياسية قبيل الميل السوفييتي للتنازل تجاه الولايات المتحدة، على اعتبار أن البشرية تبحر في قارب واحد، فإما النجاة لنا جميعاً، أو الغرق والفناء الجماعي.

كانت هذه الدعوة واحدة من المتكآت الأخلاقية للبريسترويكا السوفييتية السياسية. غ

ير أن الأيام أسفرت عن نتائج مفارقة تماماً لتلك النظرة الطوباوية التي حدَتْ بغورباتشوف وأنصاره إلى التنازل الحر عن منطق الحرب الباردة، فاليمين الأميركي الريغاني وامتداداته الجمهورية اعتبر ما جرى تأكيداً للمصير الحتمي للنظام الاشتراكي، وأن مركزية الولايات المتحدة أمر لا مفر منه، وأن التناغم مع النموذج الأميركي يُتوِّج التاريخ المعروف بزمن سرمدي أميركي، بحسب "فوكوياما"، وأن البديل للتناغم مع النموذج الأميركي يعني حرباً كونية مدمرة، بحسب "هنتنغتون".

وأن تلك الحرب الشاملة ستأتي ترجماناً لنواميس ربانية مسطورة في لوح الغيب، وأن معركة "هرمجدون" العالمية التي تسبق عودة المسيح عليه السلام فرض واجب على من يتداعى مع المسيحية السياسية البروتستانتية في شكلها الطائفي الأكثر راديكالية، في من يُسمون بالإنجليكانييِّن، القائلين إن الإيمان الصحيح بالعهدين القديم والجديد يقتضي الإيمان بمعركة الحسم الأخيرة التي تتوج النهاية المحتومة، لتُعلي كلمة الله في الأرض!!

تلك الثقافة التي تسلَّلت على حين غفلة من العلمانية "الآورو أميركية" التاريخية، كانت كفيلة بنشوء مزاج سياسي يعتمد المبادآت الاستراتيجية، ويقول بحرف العبارة: إن مصالح الولايات المتحدة الحيوية تمتد إلى حيث تمتد اليد الأميركية، وأولها عموم الشرق الأوسط الكبير.

هذا المنطق جعل من نظرية "الفوضى الخلاقة" تعبيراً أقصى عن هذه الضرورة التي تقتضي سد منابع الأعداء الافتراضيين أينما كانوا. والمخيف في الأمر أن هؤلاء الأعداء لا بد من تصنيعهم إن لم يكونوا موجودين فعلياً، الأعداء الجدد نماذج واقعية لبشر يدبُّون على الأرض، وبوسعهم تنفيذ أخطر العمليات الإرهابية.

وبعودة وامضة إلى تقاليد الحرب الباردة ووعودها الفاجعة بالزلازل والخرائب، نستطيع الآن أن نلمس درجة الانزياح المهول في تصاعد تلك القابليات التدميرية، مما هو ملحوظ في عالم المعلومات والوسائط والتكنولوجيا المُتَفلتة من عقالها، بل حتى تلك الإشارات المبكرة التي قال بها الجنرال الروسي "ليبيد" الذي كان حاكماً لسيبيريا الكبرى، قبل أن يلقى حتفه في حادث طائرة هيلكوبتر اصطدمت بخطوط الضغط العالي للكهرباء، بحسب الخبر الرسمي الروسي.

كان "ليبيد" يصر على ضرورة تعقب 90 شنطة نووية خرجت من إضبارة الجيش السوفييتي! وكان يعيد تكرار تلك اللازمة حتى وافته المنيّة.

إذا كانت الشنط النووية التي قال بها "ليبيد" مجرد تطيُّر منكور من قبل القيادتين الروسية والأميركية، فلماذا كان يصر على تكرارها؟ ولماذا لم يتم التعامل جدياً مع تصريحاته المُخيفة؟ وأين هي تلك الشنط النووية الافتراضية القادرة على حرق مدن بكاملها؟!

تلك واحدة فقط، من إشارات وعلامات الجنون، وليس آخرها ترسانة الأسلحة الكيماوية المُعترف بوجودها في سوريا المشتعلة. ويمكن للقارئ الكريم بعد هذا أن يدرك أبعاد الرعب الذي تعيشه البشرية في ظل أوضاع مترجرجة وغليانات متواصلة، واختلالات في موازين الحق والعدل.