تحدثت غير مرة عن الأدوار المتعددة والمتداخلة التي تقوم بها الآلة الإعلامية والتي تختلف من مجتمع إلى آخر.
ومن البديهي أنه لا توجد قاعدة تقول الإعلام للإعلام أو الدراما للدراما أو الضحك للضحك، ولكن لابد أن يكون لكل رسالة إعلامية أهداف واضحة تسعى إلى تحقيقها، ومن أهم الأدوار التي يجب أن تقوم بها وسائل الإعلام هو نشر الوعي الأمني والوقاية من الجريمة والانحراف إعمالا للمثل القائل الوقاية خير من العلاج، فكما أن الكثير من المضامين الإعلامية قد تتسبب بدون قصد في تشجيع السلوك المنحرف.
وبخاصة لدى المراهقين وصغار السن، وهي المرحلة التي تتكون فيها عقيدة الطفل الفكرية وخبرته عن الحياة والناس، عبر التقليد والتقمص والاستهواء المقدمة عبر المضامين البرامجية المختلفة، ففي بعض برامج الأطفال يتم تقديم الشخصيات التي تمارس العنف في صورة أبطال يستهويهم قتل الآخرين فضلا على أنهم لا يموتون.
بالإضافة إلى ذلك فإن الدراما التليفزيونية أو السينمائية بالغت كثيرا في الاعتماد على النجوم أصحاب الجماهيرية في لعب أدوار تجار المخدرات أو رؤساء لتشكيلات عصابية، واستغرقت في وصف تفاصيل ما يرتكبونه من جرائم بدقة شديدة ولفترة زمنية ممتدة، ولا مانع من تقديم ذلك في قالب كوميدي يجعل من المنحرف شخصا خفيف الظل محببا للمشاهد وقد لا يتعاطف الكثير مع الضحية، في حين يأتي العقاب لا يأخذ غير ثوان لا يتذكرها المشاهد في الغالب.
والحال في الصحافة لا يختلف عن ذلك كثيرا، حيث ان هناك مدرسة صحفية، وهي الغالبة، تعيش على أوجاع الناس وتؤمن أن افتتاح مصنع ليس بخبر كبير لكن السطو على بنك يحتل الصدارة ثم تأتي التفاصيل الشديدة، ولا مانع من بعض المبالغات ووضعها في قالب مشوق لكي تبيع، ولهم حججهم التي قد نتفق أو نتحفظ على بعضها.
وهنا أنا لا أطالب أن تتحول الصحافة إلى نشرات علاقات عامة ولكن أطالب أن يتم التعامل مع مختلف الأحداث بحجمها الحقيقي، ولا يتم تناول حوادث فردية باعتبارها ظاهرة. فمن يقرأ بعض الصحف ويتابع القنوات التي تتناول الأوضاع في بعض دول ثورات الربيع العربي يعتقد أن الذاهب مفقود والخارج مولود عكس ما يخبر به الواقع ومن يعود من هناك. إذاً أين الخلل؟ كما أن المبالغة في نشر العنف والجرائم بل وإصدار صحف متخصصة في ذلك يجعل القارئ يعتاد على الجرائم باعتبارها حدثا عاديا يقرأه كل يوم.
والخوف من المبالغة في نشر الجرائم والعنف في وسائل الإعلام ليست دعوة عربية لوضع رؤوسنا في الرمال، أو تجاهل حقائق موجودة على أرض الواقع، أو ارتجاف عربي محض، بل هي دعوات ومطالبات شملت دول العالم شرقا وغربا الآن وقبل ذلك منذ ستينيات القرن الماضي وما قبلها حين نبهت لجنة إيزنهاور إلى أن الجريمة في الإعلام عامل مساهم يساعد إلى حد كبير على نمو ثقافة العنف بين شرائح المجتمع، وفي سنة 1972 صدر تقرير عن وزير الصحة الأميركي يُظهرُ قلقاً حول تأثير الجرائم التليفزيونية على الأطفال وتغيير أنماط سلوكهم.
على جانب آخر فإن العنف الذي يذاع في نشرات الأخبار لا يقل في خطورته عن غيره، وهو ما استوقف وزير الثقافة الفرنسي الأسبق "جان جاك اياغون" الذي طالب من الاختصاصيين في ميدان الإعلام المرئي، من علماء نفس واجتماع ومحامين، بعمل تقرير أكد فيه على ضرورة النضال ضد جميع أشكال العنف ورفض كل أشكال التمييز وهي أمور في صلب ميثاقنا الاجتماعي. لذلك ينبغي علينا جميعاً، وفي ظل ثقافة تهيمن عليها الصورة، إعادة النظر في ما يتم تقديمه بصورة شبه متواصلة من مشاهد عنيفة أو عدوانية لها تأثيرها على عقل المتلقين الأكثر شباباً.
والأخطر من العنف الخشن الذي تتناوله وسائل الإعلام في تقديري أن هناك عنفا ناعما لا يقل خطورة عن العنف الواضح الظاهر والذي تستخدم فيه الأسلحة.
والعنف الناعم عندي هو اللغة المستخدمة في الحوار، والتي تتخطى كثيرا حدود المقبول، والقيم التي يتم بثها من الأنانية وحب الذات، والكراهية ونبذ الغير والاستعلاء وغياب لغة الحوار والتفاخر بالجنس أو اللون والعرق، والتي يكون العنف الظاهر نتيجة حتمية لها، وهذا العنف يقابل بعنف آخر، فلكل فعل رد فعل والحبل على الجرار.
لقد أصبحت وسائل الإعلام تشارك في صناعة العنف والجريمة في المجتمعات بشكل أو بآخر، وما يحدث من كثير من جرائم حقيقة هي تطبيق واقعي لحالة تمثيلية أو رمزية قدمت عبر الشاشة أو الصحف، حيث يعيد الفرد إنتاج ما تم مشاهدته فتتحقق المأساة الحقيقية. وما حدث في إحدى دور السينما الأميركية وما وقع من ضحايا كان نتاجا لمشاهدة "باتمان" فدفع الثمن الأسرة والمجتمع.
وفي تقديري أن الإنسان لا يولد مجرما أو محبا للعنف لكنه يولد على الفطرة التي فطره الله عليها، والبيئة من حوله هي التي تشكل طريقة تفكيره ونمط سلوكه، بداية من الأسرة يليها الشارع ثم المحيط الاجتماعي بأدواته المختلفة حسب قوة تأثيرها، وأكثرها لا شك وسائل الإعلام. إذا وكما أكد علماء النفس أن الجريمة والعنف سلوك يتم اكتسابه عبر التعلم، وهو ما يجب أن ننتبه إليه كثيرا عند تناوله إعلاميا.
من هنا فإن البداية الحقيقية لتفعيل دور وسائل الإعلام يأتي من خلال مشاركتها في التنشئة الاجتماعية، خاصة وأن ما يقضيه الفرد في متابعتها أكبر بكثير مما يقضيه في صحبة أسرته أو مدرسته، كذلك لابد على وسائل الإعلام أن تتحمل مسؤوليتها الوطنية في الحد من الانحراف والوقاية من الجريمة.
وعند الحديث عن الأمن لا نعني المفهوم المحدود له ولكن بالمعنى العام الذي يعني عدم نشر ما من شأنه أن يحدث خللا في بنية المجتمع، ويعني كذلك عدم اللعب على الأوتار الطائفية أو العرقية أو إحداث هزة مجتمعية عبر أخبار غير موثقة.
إن على وسائل الإعلام ألا تكون سببا في المشكلة ولكن ينبغي عليها أن تكون جزءا من الحل، وفي ظل حالة الارتباك التي تشهدها ساحات عربية عديدة يتعاظم الدور المنتظر من وسائل الإعلام في إعلاء مصلحة الوطن ومستقبل أبنائه.