رحبت جميع الأطراف ذات العلاقة (وتلك التي لاعلاقة لها) بمبادرة أنان، منطلقة من مبدأ معلن أن هذه المبادرة ستشكل خارطة طريق لحل الأزمة السورية. وقد أيدتها بحماس السياسة الروسية والصينية والإيرانية، كما فعلت الأمر نفسه سياسة الإدارة الأميركية والسياسة الأوروبية والجامعة العربية والدول العربية، وفي الداخل رحبت بها السلطة السورية وفصائل المعارضة (كلها أو جلها).
وهكذا لم تلق مبادرة أو اقتراح منذ بدء الثورة السورية، مثل هذا التأييد الشامل من جميع الأطراف، حتى أن المتتبع صار يعتقد أن الحل على الأبواب مادام الجميع موافقين ولو شكلياً حتى لو كان بعضهم مضطراً للموافقة، ولكن الذي حصل بعد ذلك أن المبادرة لم تحقق شيئاً، وكانت بدون جدوى، وصولاً إلى اعتذار أنان نفسه عن الاستمرار بمتابعة مقتضياتها ومحاولة تنفيذها.
لأن تنفيذها متعذر في الواقع بسبب تناقضات آراء الأطراف المعنية حول حل الأزمة السورية وحول مضمون المبادرة نفسها، من خلال تعدد تفاسيرها، وهكذا تبين أن كل هذا الترحيب ما هو إلا ذر للرماد في العيون، وكل طرف يرغب أن تكون المبادرة مهلة له لإيجاد شروط جديدة لحل الأزمة توافق موقفه.
يلاحظ المدقق أو المراقب أو المتابع أن أسباب فشل المبادرة متعددة، وكل من ذوي الشأن يراها بشكل مختلف، فالمعارضة السورية والدول الغربية وبعض الدول العربية ترى أن الفشل يعود لموقف السلطة السورية الرافض لها واقعياً والموافق عليها شكلياً، فمن المعلوم أن المبادرة تطالب السلطة السورية (حسب اتفاق أنان معها) بإيقاف العنف وسحب القوات العسكرية من المدن وإعادتها لثكناتها وإطلاق سراح المعتقلين، ثم إجراء حوار سياسي لإقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي.
وتعرف السلطات السورية قبل غيرها، أن تطبيق بنود المبادرة هذه سوف يؤدي لخروج ملايين السوريين للتظاهر بما يتعذر على السلطة الاستمرار في الحكم، وبالتالي فقد وافقت السلطة السورية شكلياً بانتظار أخذ مهلة، والعمل لإيجاد صيغ جديدة ، ولم تنفذ أي بند من بنود المبادرة.
أما السياسة الروسية والإيرانية والصينية ومعها السلطة السورية، فترى أن سبب فشل المبادرة هو رفض المعارضة المسلحة وقف استخدام السلاح الذي تطالبها بتسليمه، وإلزام الدول التي تساعد هذه المعارضة وقف مساعداتها. وترى هذه السياسات أن استمرار المعارضة بحمل السلاح هو الذي منع السلطة من سحب الجيش والأسلحة الثقيلة من داخل المدن.
لقد تجاهل كثيرون مسؤولية أنان نفسه عن فشل مبادرته، لأن أنان تبنى التواصل وإجراء المحادثات مع الأطراف الحليفة للسلطة السورية دون غيرها، فقد تباحث مع الروس في موسكو والإيرانيين في طهران بل وحتى العراقيين في بغداد، وتجاهل التواصل مع الطرف الآخر، أي المعارضة السورية والبلدان العربية المؤيدة لها بل والبلدان الأوروبية وغيرها.
وراهن على أنه يستطيع إقناع الدول المؤيدة للسلطة السورية بالضغط عليها لتنفيذ المبادرة وكان خطأ جسيماً أعطى عكس النتائج المرجوة، إذ ازداد موقف الروس والإيرانيين والصينيين تصلباً بل و(صلفاً) وكذلك موقف السلطة السورية، وأخذ الجميع يماطلون ويشغلون أنان ومبادرته بقضايا ثانوية.
وفي الوقت نفسه كان أنان يساير السلطة السورية، ولم يطلب منها مرة واحدة طلباً صريحاً وحازماً ومحدداً بأن تبدأ بتنفيذ بنود المبادرة، وقد شجعت مجاملاته هذه السلطة على مزيد من المماطلة والتسويف والاستخفاف بالمبادرة وصاحبها وبمن قررها.
إن المفارقة والأمر المثير للاهتمام هو أن جميع الأطراف المعنية، والتي شاركت بنسب متعددة في إفشال المبادرة، عبرت عن أسفها لاعتذار أنان مع تأكيدها على ضرورة استمرار المبادرة وتعيين بديل عنه، وهي تعرف جميعها أن رأيها الحقيقي غير ذلك، وأنها تعمل لتطبيق خارطة طريق أخرى مختلفة، أي في الخلاصة أن معظم مواقف هذه الجهات هي (نفاق بنفاق).
لقد أدت التطورات في سوريا، والظروف الموضوعية التي توجد الآن، إلى تحول الواقع السياسي إلى صراع عسكري، وأصبح حل الأزمة وحسمها يتعلق بنتائج هذا الصراع بالدرجة الأولى، حيث نحيت المبادرات السياسية جانباً، ويبدو أن جميع الأطراف اعترفت ضمناً أن الحل السياسي متعذر.
وأن شروطه غير متوفرة، ذلك أن النظام وحلفاءه يراهنون على أن قواته العسكرية سوف تحسم الأمر لصالحه، وسوف تهزم المعارضة المسلحة خلال بضعة أسابيع، وفي أسوأ الأحوال خلال بضعة أشهر، فيما ترى الأطراف الأخرى المعادية للنظام أن المعارضة المسلحة إذا ما زودت بالسلاح والمال، قادرة على حسم الموقف لصالحها وإسقاط النظام، وبالتالي فإن الطرفين يعتقدان بأن الصراع المسلح هو صاحب الكلمة الفصل والوحيد الذي يوصل للحسم.
وليس الحوار السياسي أو المفاوضات أو غيرها، وبالتالي فإن الجميع يركزون جهودهم على الحل العسكري، وبالتالي فلا معنى لا لمبادرة أنان ولا لتعيين رئيس لها، ولا لأي حديث بالحوار بين السلطة والدول الأخرى أو بينها وبين المنظمات الدولية، أو حتى مع المعارضة السورية.
ويبقى أن الجهة الخاسرة والمظلومة والتي تدفع ثمناً غالياً نتيجة هذه الصراعات هي الشعب السوري، الذي يقدم التضحيات المتمثلة بعشرات آلاف القتلى (تقول الجهات المختصة أن العدد بلغ 20 الف قتيل في صفوف المعارضة وحدها)، وتهديم بيوته وحرقها وسلبها واضطراره لترك بلداته ومدنه واللجوء لبلدات ومدن أخرى (يقدر عدد اللاجئين السوريين خارج مناطقهم وداخل سوريا بأكثر من مليوني لاجئ).
وتوقف الحياة العامة من اقتصاد ونشاط وإنتاج وتجارة وسياحة ومختلف ضروب النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، حتى أن سوريا عادت قروناً إلى الوراء. ومازال الجميع يقدم المبادرات ويملأ التلفزيونات بتصريحاته وتهديداته، واستعراضاته الإعلامية، والكل ينتظر الفرج الذي لم يأت بعد، ويبدو أنه لن يأتي إلا بعد تدمير سوريا.