أخيرا وكما كان متوقعا منذ البدء بعد تكليفه ممثلا للأمم المتحدة وللجامعة العربية لتولي الملف السوري، قدم كوفي عنان استقالته من مهمته. ففي خطاب وجهه للأمين العام للأمم المتحدة وأمين عام الجامعة العربية، وصف مهمته بأنها مستحيلة التنفيذ بالنسبة له ولغيره.
مشيرا إلى أن الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن الدولي هي وراء فشل مهمته. فقد وجد هذا الدبلوماسي المرموق، أن من المستحيل جمع طرفي الصراع في سوريا حول مائدة مفاوضات، فالهوة بينهما أعمق من أن تُجَسر.
هكذا يسدل الستار بعد سنة ونصف من الأحداث الساخنة في الساحة السورية، على أحد المشاهد المثيرة. فاستقالة عنان قد أغلقت الطريق أمام الحلول السياسية والدبلوماسية التي تتبناها بعض الدول، وعلى رأسها روسيا والصين اللتان استخدمتا حقهما في النقض في مجلس الأمن الدولي مرات ثلاث، لمنع المنظمة الدولية من اتخاذ قرار لنزع الشرعية عن النظام القائم.
وتأتي هذه الاستقالة كذلك لتقدم دفعا قويا لصالح المعارضة التي تطالب برحيل النظام السوري، خاصة أن المبعوث الأممي العربي قد أشار إلى أن الحل يكمن في رحيل النظام السوري، وليس في غير ذلك.
وتزامنت استقالة عنان مع قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث من أغسطس الجاري، بتمرير مشروع قرار عربي يدعو لنقل السلطة في سوريا، بأغلبية كبيرة حيث وقفت مع القرار 133 دولة واعترضت عليه 12 دولة فقط.
ومع أن هذا القرار غير ملزم التنفيذ لأن الجمعية العامة ليست لديها أدوات لتنفيذ قراراتها على عكس مجلس الأمن الدولي، إلا أن له، من جانب آخر، أهمية سياسية وقانونية وأخلاقية وقيمية، إضافة إلى أنه بمثابة استفتاء على مدى استمرار قبول الأسرة الدولية بقاء النظام السوري.
سيكون من الصعب جدا على من سيخلف عنان في مهمته، أن يستمر في اعتماد النقاط الست التي تضمنتها خطته، وذلك لأنها فشلت بسبب عدم تقديرها بشكل واقعي لعمق الهوة بين أطراف الصراع في الداخل، ولم تقدر بشكل سليم حجم وعمق امتدادات ذيولها إقليمياً.
وسيكون عليه من جانب آخر، أن يأخذ في الاعتبار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة برفض بقاء النظام السوري ضمن الأسرة الدولية، وخلاف ذلك فلا يوجد داعٍ لاستمرار الأمم المتحدة في تولي الملف السوري.
على المستوى الميداني لا أحد يختلف مع الاستنتاج الذي يذهب إلى أن ميزان القوى يتجه تدريجيا لصالح قوى المعارضة، على الرغم من أن النظام لا يزال يمسك بقوة بزمام الجيش، ولا يزال يمتلك الكثير مما لم يستخدمه بعد. فقد أثبتت قوى المعارضة صلابة كبيرة، خاصة في الشهر الأخير، وأصبحت تمتلك أسلحة فعالة نقلت إليها من الخارج أو استولت عليها من مخازن الجيش، وتوسعت مساحة الدعم العربي والدولي لها، ماليا وعسكريا.
مقابل ذلك يتجه نظام الرئيس الأسد نحو المزيد من العزلة، ولم يعد يمتلك سوى حلفاء قلائل في المنطقة، هم أنفسهم مهددون وفي وضع الدفاع عن النفس بسبب مواقفهم الملتبسة مع الأسرة الدولية.
كما أن دائرة الحصار الشديد التي تحيط به على جميع المحاور، سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا وعسكريا، تضيق باستمرار، وتتسع أبعاد النقمة الداخلية مع قيامه باستخدام الأسلحة الثقيلة لفرض وجوده ونفوذه، مما ألحق أضرارا خطيرة بالبنى التحتية في المدن وجعل بعضها خالية من السكان.
حيث يقبع عشرات الآلاف من المواطنين مشردين في دول الجوار في وضع مأساوي. ويلقي تزايد الانشقاقات في صفوف المؤسسة، المزيد من ظلال القلق على رؤوس النظام، عززه بشكل كبير انشقاق رئيس الوزراء السوري نفسه ولجوؤه إلى إحدى الدولة العربية.
ويأتي تخلي الإدارة الأميركية عن حذرها في التعامل مع الملف السوري، وتخليها عن الاستمرار في نهج عدم إغضاب روسيا، عامل دعم قويا للمعارضة السورية، بعد أن وقع الرئيس أوباما وثيقة تسمح بتقديم المساعدات العسكرية لها، في مؤشر هام على اقتراب نموذج الحسم في سوريا من النموذج الذي اتبع في ليبيا. وفي ضوء ذلك أصبح من المستبعد أن تتمكن روسيا والصين من منع انهيار النظام، فليس من مصلحتهما الاستمرار في تحدي الإرادة الدولية.
نجحت الدول الأكثر ثقلا في رسم السياسات في العالم، في عزل نظام الرئيس السوري على المستوى الدولي، ونجح الإعلام في تسويد صفحاته، وأصبحت المحاور التي تتعلق بشكل النظام البديل وعلاقاته مع الأسرة الدولية، تحتل أجندة المؤتمرات واللقاءات الثنائية في عواصم هذه الدول. في هذا السياق يُطرح السؤال الأكثر أهمية: كيف ستكون تداعيات رحيل النظام السوري على المستويين المحلي والإقليمي، وما الذي ستفرضه على التوازنات الدولية؟
على مستوى الداخل السوري هناك خشية حقيقية من تداعيات خطيرة، حين تسقط الدولة السورية ويترك الفراغ الأمني الباب مفتوحا أمام مختلف الاحتمالات، ولعل أخطرها قيام عمليات انتقامية ذات طابع سياسي أو ديني أو قومي أو مذهبي. فالمجتمعات العربية، ربما من غير استثناء، غير محصنة ضد ذلك، لأنها حافلة بالاحتقانات ولأن حكوماتها لم تستطع صياغة هوية انتماء للوطن تتراجع أمامها هوية الانتماءات الأخرى.
أما على المستوى الإقليمي فتداعياتها أكبر وأكثر خطورة بكثير على حلفاء النظام السوري، الذين من المتوقع أن يمر بعضهم بظروف عصيبة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى اجتثاثه. كما تنسحب التداعيات على من احتضن النظام ودافع عنه وساعد على بقائه وديمومته في سلسلة مواقفه في مجلس الأمن الدولي.
وبشكل خاص روسيا والصين اللتين لهما مصالح هامة مع دول المنطقة. فالدولتان الآن قد أصبحتا في موقف حرج أمام شعبيهما، وهو التورط في انتهاج سياسات انعزالية تلحق الضرر على المدى البعيد بمصالحهما الاقتصادية. أسدل الستار على أحد المشاهد الهامة في الساحة السياسية السورية، ولم يعد أمامنا سوى انتظار المشهد الأخير المتوقع قريبا، مشهد لي الأذرع وكسر الإرادات.