دلت النقاشات التي دارت بين شباب القوى المنتفضة، الذين التقوا في دورة صيفية لمدة ثلاثة أسابيع بدعوة من جامعة بيروت العربية في بيروت وانتهت في 16 يوليو/ تموز 2012، على تباين مقولاتهم الثقافية وتنوعها. شارك في الدورة شباب من مصر، وتونس، وسوريا، والعراق، وفلسطين، ولبنان، والجزائر، والمغرب، والأردن، وناقش المجتمعون موضوع "الحريات وحقوق الإنسان والشباب في ظل الربيع العربي".
تكررت في النقاشات مفاهيم عدة، كالفوضى، والقلق على الانتفاضة، واليأس من التغيير، وصعوبة توصيف انتفاضات شعوب متنوعة الثقافات والمشكلات، والخوف من خريف عربي قادم. وبرز تناقض واضح بين الشباب، في مجال توصيف الانتفاضات العربية.
تفاوتت المقولات الثقافية بصورة متباينة، وفق الدول المنتفضة من جهة، واتجاهات القوى الشبابية من جهة أخرى، وتبلورت وفق صيغ متعدد. فهي انتفاضات شعوب عانت كثيرا من الديكتاتورية في العالم العربي، لكن قادة الانتفاضات الشعبية رفضوا أسلوب الانقلابات العسكرية السابقة، وتبنوا البراغماتية السياسية في رفع شعارات عملية، قابلة للتطبيق على أرض الواقع بعيدا عن التشنج اليساروي الذي كان يصر على مقولة "لا عمل ثوري بدون نظرية ثورية".
فالتغيير لا يتم دفعة واحدة، كما أن الديمقراطية بحاجة إلى ديمقراطيين يتدربون على الممارسة الديمقراطية التي لا تستقيم بالقمع، بل بمزيد من الحوار الديمقراطي، واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى الشعب بصفته مصدر جميع السلطات.
جمعت ثورة الحرية والكرامة في تونس مختلف مكونات المجتمع، وتجاوزت الاختلافات الموروثة، لتجمع جماهير الانتفاضة الشعبية تحت شعارات اجتماعية بأبعاد سياسية، أبرزها "نعم للرغيف مع الكرامة". وشكلت الانتفاضة المصرية نموذجا متميزا داخل الانتفاضات العربية، وهي مطالبة أكثر من سواها بتجديد مقولاتها الثقافية وتوجهاتها المستقبلية، لأنها بوصلة حقيقية لفهم آفاق التغيير في العالم العربي.
مرد ذلك إلى أن مصر تمتاز عن غيرها من الدول العربية بوجود دولة مركزية منذ أقدم العصور، وكان لها دور أساسي في تماسك المجتمع المصري عبر مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. ونظرا لدورها المرتقب في النظام الإقليمي العربي، فإن مقولات التغيير فيها ترسم مقولات الربيع العربي وآفاقها المستقبلية.
عند توصيف خصوصيات كل انتفاضة، ركزت نقاشات الشباب على طبيعة المجتمع في كل منها، والعمل على تجاوز الانقسامات الداخلية الموروثة من العهود السابقة، لبناء الدولة العصرية التي تستمد شرعية مؤسساتها العسكرية والمدنية وفاعليتها، من طبيعة العلاقة بين الدولة أو النظام السياسي والمجتمع في الدول المنتفضة، وتجاوز المعارضة الطائفية وأساليب عملها، العلنية منها والسرية، وغيرها.
وبعد نجاح الانتفاضة في تونس ومصر، تم توصيف طبيعة القوى السياسية التي تسلمت السلطة فيهما بالطرق الديمقراطية، وأسباب وصول القوى الإسلامية إلى الحكم في كل منهما، وصعود تيارات إسلامية إلى السلطة في الدولة المغربية دونما حاجة إلى انتفاضات شعبية أو شبابية، وكيف أن تيارات إسلامية أخرى تقرع أبواب السلطة بقوة في أكثر من بلد عربي.
كان شباب الانتفاضة قلقين جدا على مستقبلهم في جميع الدول العربية، ورغم التمسك بالأمل أو التفاؤل التاريخي، هناك خوف من تغيير مسار الثورة أو الانتفاضة فيها. فالانتفاضات التي قامت تحت شعار حرية، كرامة، عدالة اجتماعية، ومن أجل إرساء حقوق الإنسان والحريات، وصلت مؤخرا إلى حال من التدهور الأمني والأخلاقي، وسارع حكام بعض الدول العربية إلى القيام بإصلاحات هامة، خوفا من انتقال عدوى الثورة إليها.
ويشير بعض شباب الانتفاضة بقلق إلى أن دول المغرب العربي ترى أنها ليست بحاجة إلى الثورة أو الانتفاضة، فكل ما تحتاجه الجزائر والمغرب هو تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتعديل بعض القوانين، والقيام بإصلاحات ترضي الشعب وتقطع الطريق على الانتفاضة.
ويحاول الأردن سلوك المسار عينه، بحيث تنتفي الحاجة إلى الثورة بقدر ما تزداد الحاجة إلى الإصلاح، ومحاسبة الفاسدين، والتعلم من تجارب الآخرين في الحوار الإيجابي لإقامة أنظمة ديمقراطية سليمة. وخطت كل من اليمن وليبيا في اتجاه بعض الإصلاحات الديمقراطية، بعد أن تعرضتا لاقتتال دموي أودى بحياة آلاف القتلى والمهجرين.
ويطالب شباب فلسطين بتحرير بلادهم من الاحتلال الإسرائيلي، بكل أشكال النضال المتاحة، على أن تستفيد القوى الفلسطينية من إيجابيات الربيع العربي، لتبني سلطة وطنية جامعة وقادرة على إزالة الاحتلال الإسرائيلي.
وتعثر مسار الانتفاضة الشبابية في لبنان تحت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي"، فقد عرف عن شعب لبنان أنه ينعم بحريات واسعة تصل إلى درجة الفوضى، لكن نظامه بحاجة إلى ديمقراطية سليمة، وفق مقولة الدكتور سليم الحص: "لدينا الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية".
وما زالت انتفاضة الشعب السوري تتعثر في مواجهة نظام تسلطي، واعتماد السلطة والمعارضة معا ثقافة العنف المدمر للدولة والمجتمع. وفي غياب الحوار الإيجابي بينهما، استدرج الصراع الدموي في سوريا قوى إقليمية ودولية، باتت تتحكم في مصير الشعب السوري. وما زال عدد الشهداء يتزايد في صفوف السوريين، دون أن تلوح في الأفق إمكانية انتصار أي من السلطة أو المعارضة، بعد أن شاركا بحماسة بالغة في تدويل الأزمة السورية.
ختاما، جاءت الانتفاضات العربية متقاربة زمنيا، وانتشرت بسرعة على امتداد الوطن العربي، وأكدت نضج ظروف التغيير الشامل في أكثر من دولة عربية. وجمعت بين القوى الشعبية والشبابية والنسائية، في وحدة فريدة من التضامن الاجتماعي العربي، واستخدمت شعارات وأساليب جديدة ومبتكرة، لا سابق لها في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وهي حركات احتجاج أصيلة، أثرت عميقا في بنية المجتمعات العربية. ومن أولى واجبات المثقفين العرب، الاستماع الدقيق إلى آراء شباب الانتفاضات لفهم أسبابها، ومقولاتها، وشعاراتها الشعبوية في التغيير والإصلاح.
وهي تحتاج إلى دراسات متأنية، تعتمد النقد الموضوعي في تحليل أسبابها ونتائجها، واستخلاص الدروس منها، فقد أحدثت تبدلات هامة في بنية المجتمعات العربية يصعب التراجع عنها، وباتت ثقافة التغيير الجذري والشامل، نقيضا لثقافة التبرير السائدة في الدول العربية، التي لم تعد قادرة على حماية الأنظمة السابقة أو استبدالها بأنظمة تسلطية جديدة.