سباق أميركي يجري خارج حدود الولايات المتحدة. ففي أسبوع واحد، كان مرشح الرئاسة ميت رومني ووزير الدفاع ليون بانيتا في إسرائيل. ورغم أن زيارة بانيتا لم تكن ذات أهداف سياسية انتخابية فقط كما كانت زيارة رومني، فإن الخطاب السياسي الذي تبناه كل منهما، يكشف بوضوح عن الفارق بين أوباما ورومني، بل يكشف أيضا عن الفارق بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، في ما يتعلق بدعم إسرائيل.
فليون بانيتا ركز على الموقف من إيران، وعلى الدعم الأميركي الأمني والدفاعي لإسرائيل. وهو ذكّر الإسرائيليين ببرنامج الدفاع الصاروخي، الذي أنشأته إسرائيل بدعم مادي وفني أميركي.
أما ميت رومني فقد أكد على حق إسرائيل في توجيه ضربة عسكرية لإيران، واعتبر القدس عاصمة إسرائيل، ثم صرح بأن إسرائيل متفوقة ثقافيا على الفلسطينيين، بدليل الإنجاز الاقتصادي الإسرائيلي مقارنة بوضع الاقتصاد الفلسطيني.
والحقيقة أن الفارق بين الخطابين هو الفارق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في نسختهما الراهنة. فالمواقف التي تتخذها إدارة أوباما أقرب إلى المواقف التقليدية، التي طالما تبنتها الإدارات الأميركية المتعاقبة حتى التسعينات.
وهي مواقف منحازة بوضوح لإسرائيل، ولكنها تقف عند سقف بعينه في ما يتعلق بالقدس والمستوطنات. فالقدس في الموقف الأميركي التقليدي خاضعة لمفاوضات الحل النهائي، والمستوطنات في الأرض المحتلة غير شرعية وفق القانون الدولي.
أما المواقف التي يتبناها رومني فهي التي تعبر عن الحزب الجمهوري منذ التسعينات، والذي لم يعد هو نفسه حزب بوش الأب الذي ربط ضمانات القروض بوقف الاستيطان. فالحزب الجمهوري الحالي صار عموما أكثر يمينية بكثير، بالمقارنة بالقرن الماضي.
فمنذ سبعينات القرن العشرين، شهد الحزب تحولات كبرى داخلية، لم تؤت ثمارها إلا في التسعينات. فقد عاد اليمين الأصولي يكتسب أرضية، بعد كبوة استمرت خمسين عاما. وبعد أن أيد كارتر للرئاسة في 1976، صار بنهاية التسعينات من أهم قوى الحزب الجمهوري. ولبعض قطاعات اليمين الديني الأميركي موقف داعم لإسرائيل، على أسس لاهوتية تتعلق بعودة السيد المسيح إلى الأرض.
وقد شهدت السبعينات أيضا صعود تيار المحافظين الجدد، خصوصا في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، والذي وجد رغم علمانيته نقاط تماس مع اليمين الديني، بخصوص إسرائيل وغيرها من القضايا.
وقد ضم الحزب الجمهوري أيضا جيلا جديدا من السياسيين المنتخبين، الأكثر ميلا للتصادم مع الديمقراطيين لا التوافق معهم. وهو الجيل الذي سيطر من خلاله الحزب على الأغلبية في الكونغرس في انتخابات 1994 التشريعية، لأول مرة بعد أربعين عاما كاملة في مقاعد الأقلية.
والحقيقة أن التحول عن المواقف التقليدية الأميركية، بدأ في عهد كلينتون الذي عين رموز معروفة بدعمها الشديد لإسرائيل، في الكثير من مناصب السياسة الخارجية والدفاع. ففي عهده تحولت المستوطنات من عمل غير شرعي، إلى مجرد "عقبة في طريق السلام"، لكن التحول الأخطر في عهد كلينتون أتى من الكونغرس الجمهوري، الذي أصدر قانون نقل السفارة الأميركية للقدس في 1996، رغم معارضة كلينتون، بل وقانون تغيير النظام في العراق في 1998 رغم معارضة الرئيس أيضا.
لكن التحول في عهد كلينتون عن المواقف التقليدية، لا يقارن على الإطلاق بما جرى في عهد بوش الابن، الذي سيطر فيه المحافظون الجدد على جل المناصب الحساسة في السياسة الخارجية والأمن القومي. والمحافظون الجدد معروفون بدعمهم اللا محدود لإسرائيل، بل واليمين الإسرائيلي تحديدا.
وقد سعى المحافظون الجدد منذ بداية القرن الحالي، لتحويل إسرائيل إلى قضية حزبية في أميركا. فبينما ظلت إسرائيل دوما تحظى بالانحياز الأميركي، سواء حكمها الديمقراطيون أو الجمهوريون، فإن الموقف المتطرف في دعمه لإسرائيل من جانب المحافظين الجدد واليمين الأصولي، أوجد حالة جديدة تتباين فيها مواقف الحزبين، على نحو أراد الجمهوريون الاستفادة منه انتخابيا.
فرغم أن أغلبية اليهود الأميركيين لا تزال تعطي أصواتها للحزب الديمقراطي بنسبة لا تقل عن 75%، إلا أن نخبة اليهود الأميركيين التي تهيمن على لوبي إسرائيل في واشنطن، وتلك التي تقدم تمويلا سخيا للمرشحين في الانتخابات، أكثر يمينية من عموم اليهود الأميركيين، ثم إن اليمين الأصولي يعطي أهمية كبرى في التصويت للموقف من إسرائيل.
والمحافظون الجدد لهم موقف من العرب والمسلمين، يتجلى في مواقف بعض المستشرقين منهم، مثل برنارد لويس وصامويل هانتغتون، التي تنضح بنظرة استعلائية تجاه الثقافة العربية والإسلامية.
ورومني حين تحدث عن التفوق الثقافي الإسرائيلي، كان يستخدم عمدا تلك النظرة الدونية للثقافة العربية، وهي تصريحات لن يعتذر عنها رومني أبدا، لأن القوى المؤثرة في الحزب الجمهوري اليوم من تيار حفل الشاي لليمين الديني للمحافظين الجدد، لا تعادي أفكار التفوق الثقافي بل والعرقي أحيانا، وهو ما يتجلى حتى في التعامل مع الرئيس أوباما ذي الأصول الإفريقية.
لكن التحول الذي جرى خلال العقدين الأخيرين داخل الحزب الجمهوري، كانت له عواقبه الوخيمة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة معا، فهو ببساطة يدعم اليمين المتطرف في البلدين. فاليمين الإسرائيلي المتطرف ليس بإمكانه البقاء في الحكم، لو أن أميركا رفعت ضده الراية الحمراء.
فالإسرائيليون يعرفون جيدا أن خسارة أميركا معناها غرق إسرائيل، ومن ثم ليسوا مستعدين للتصويت لمن يؤدي لذلك. أما في أميركا، فالمواقف التقليدية الأميركية التي كانت أصلا شديدة الانحياز لإسرائيل، تبدو الآن وكأنها معادية لها! وكل ذلك يغذي المسار الحالي الذي يقضي للأبد على حل الدولتين.