وقفت اسرائيل وعالم الغرب برمته على أطراف الأصابع، لمجرد أن مسؤولا سوريا بارزا ألمح الى حيازة بلاده أسلحة كيماوية وبيولوجية، مؤكدا أن هذه الأسلحة لن تستخدم سوى لصد أي عدوان خارجي.
ردود أفعال هذا التصريح تزاحمت، على نحو عاجل ومتزامن ومتشابه، في كل من تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس وبرلين وبروكسل (بصفتها عاصمة الاتحاد الأوروبي).. وكانت محاورها تراوح بين وصف النظام السوري بأقذع الألفاظ وأكثرها دلالة على الوحشية واللاإنسانية، وبين تحذير هذا النظام بشدة وحزم من عواقب التفكير "ولو لثانية" في تفعيل هذه الأسلحة تحت أي ظرف.
ولم تفوت الماكينة الدبلوماسية والدعائية الاسرائيلية غمرة هذا المشهد، وما يتيحه من فرص يمكن عبرها اسقاط مزيد من السلبيات على صورة بعض أعدائها الألداء، فتحدثت مليا عن "احتمال وصول هذه الأسلحة الفتاكة ؛المحرمة، الى حزب الله، وربما الى خلايا نائمة أو يقظة تنتمى لتنظيم القاعدة..". وأشار أكثر من جنرال ووزير ومتحدث رسمي في اسرائيل الى أن أمرا كهذا سوف "يجبر" قواتهم على مهاجمة أية شحنة من هذا القبيل فور التأكد من حدوثها.
مطالعة التصريح السوري وهوجة التعليقات الغاضبة والتهديدات والتحذيرات التي تدافعت على حاشيته، تستدعى ضفيرة من التأملات والملاحظات..
فمن ناحية، يثور التساؤل عما ان كان لهذا التصريح الفارق علاقة باستشعار النظام السوري وجود نية حقيقية للتدخل الخارجي المسلح بذريعة حسم الأزمة الداخلية، على غرار المثل الليبي؟.. ويلح هذا الفرض بالنظر الى الضغوط الشديدة التي تتعرض لها موسكو وبكين للعدول عن موقفهما الرافض لهكذا خيار في مجلس الأمن.
ترى هل قصد نظام دمشق الايحاء بأنه لا يعتمد في اصراره على وأد الانتفاضة الداخلية، رغم التلويح الغربي باحتمال اللجوء الى الخيار العسكري، على مجرد الظهير الروسي الصيني، وأنه يدرك أن هذا الظهير قد ينصاع لمساومة أو صفقة يعقدها مع الغرب، تسوقه الى تغيير قلبه، وأنه سوف يلجأ عندئذ الى حلول دفاعية ذاتية شمشونية؟..
ومن ناحية ثانية، لنا أن نلاحظ التلاقي الى حد التطابق بين أصداء التصريح السوري لدى كل من اسرائيل وعواصم الغرب.. وفي ذلك بلاغ عن استمرار صلابة الاسناد الغربي للشريك الإسرائيلي، بما يبرر توقع توفير شبكة أمان غربية، لا تستثنى البعد العسكري، في حال تعرض هذا الشريك لأخطار أمنية.
وفي اطار مثل هذه الطمأنة، ليس من الحكمة توقع أية مرونة اسرائيلية على جبهة الحلول والتسويات السياسية مع الفلسطينيين والعرب. ومن ناحية ثالثة، تنطوي لغة الاشتباك والتراشق الموصولة بقضية الأسلحة غير التقليدية السورية على مزيج من خطابات الادعاء والتكاذب والتغابي والاستحماق...
فحين يعلق النظام السوري اللجوء الى هذه الأسلحة، التي يقال انه يمتلكها منذ أربعة عقود، على وقوع عدوان خارجي، فانه يبدو أقرب الى التهديد الدعائي ضعيف الصدقية، باعتبار أن مثل هذا العدوان واقع بالفعل على أرض الجولان السورية منذ 1967.. اللهم الا ان كان مفهوم العدوان في هذه الحالة لا يعني غير تهديد النظام الحاكم.
أما مفردات التغابي والاستحماق وازدواجية المعايير فتتجلى بحق في موقف القوى الغربية، التي تجاهلت طويلا الدعوات العربية الى اخلاء "الشرق الأوسط" من الأسلحة غير التقليدية، بينما استنفرت اليوم ضد الاعلان السوري، في محاولة لاستغلال الغضب العربي والدولي على ممارسات نظام بشار الأسد الداخلية، وصولا الى احتمال تدويل النظر في تجريد دمشق من هذه الأسلحة ؛بمعزل عن أية نيات مماثلة بحق الترسانة الاسرائيلية الرابضة بالجوار. ولعل أعصاب النظام السوري العارية على أكثر من صعيد تسمح بوقوع مثل هذا التصور.
الى ذلك، نكاد نقطع بأن كل الأطراف الذين تصنعوا الاستفزاز والغضب المضري جراء البوح السوري بحيازة اسلحة غير تقليدية، كانوا على دراية بهذه المعلومة التي لا يمكن اخفائها لأكثر من أربعين عاما..
لكن الأمر وما فيه أن كلا منهم سعى، ولن يكف عن السعي، الى توظيفها بما يخدم أجندته السورية الضيقة أو الشرق أوسطية الأوسع. والمؤلم أن معظم هؤلاء المعنيين عن قرب وعن بعد لم ينشغلوا جديا بغير التفكير في السيناريوهات الأمنية والحلول العسكرية، لما أرادوا تصويرها كمفاجأة سورية تستحق المواجهة.
ولأن النخبة الحاكمة في اسرائيل عادة ما تنتشى بمثل هذه الحلول وتحتفل بها، فقد عجلت بالإعلان عن زيادة الاقبال على اقتناء الأقنعة الواقية وتوفير الملاجئ المجهزة، وراحت تسرب أخبار الدورات التدريبية الرفيعة التي تلقتها وحدات اسرائيلية خاصة بالحرب الكيماوية في الولايات المتحدة.
وفي غضون تمثيل دور الضحية المرشحة للمبادرة السورية بشن هذه الحرب، يتناسى الاسرائيليون عموما أنهم كانوا ومازالوا في طليعة القوى "الشرق أوسطية" الحريصة على اقتناء كافة أنواع الأسلحة غير التقليدية وأجيالها. وأهم من ذلك أنهم يتجاهلون حقيقة كونهم طرفا هو أقل طاقة وقدرة واستعدادا، لوجستيا وسكانيا مثلا، من أن يواجه أو يتحمل تبعات حرب كهذه ان وقعت.