في 19 رمضان 1425 الموافق 2 نوفمبر 2004 فقدت الإمارات مؤسسها وباني نهضتها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه. ثمانية أعوام مرت على وفاة الشيخ زايد وذكراه لا تزال حية لم تمت , ثماني سنوات وزايد لا يزال في الذاكرة لم يغب يوما عن البال , ثماني سنوات والعيون لا تزال تدمع على رحيله وكأنه رحل بالأمس.
الحب لزايد لم يأت من فراغ بل من ادراك تام بأن زايد بنى دولة وأسس أمة وخلق ولاء لوطن ووحد شعبا وجمع شمل كيانات صغيرة لولا وجودها اليوم في هذا الكيان الموحد ربما لما عرفها العالم أو ربما ذابت وتلاشت.
وضع زايد أسس نظرية سياسية ومدرسة فكرية فريدة لا زال العالم ينظر لها بإعجاب, مدرسة كان العرب في أشد الحاجة اليها في تلك الآونة والآن. وقد أثبتت ثورات الربيع العربي مدى صدق رؤية وسياسة زايد. كان زايد رجلا قوميا حلم بأن يبني أمة وينشىء دولة ويوحد شعبا ليس على المستوى المحلي بل على المستوى الخليجي والعربي.
كانت إمكانياته بسيطة وكانت الظروف السياسية في وقتها جميعها معاكسة له, وكانت أراء الكثير من القادة العرب في وقتها منصبة على تحقيق مصالح خاصة ونشر أيديلوجيات ضيقة لا تهدف الا الى تحقيق رغبات ومصالح نخبوية. وعلى الرغم من الصعوبات الا أن زايد تمسك بحلمه الذى أعتبره هدف حياته, وبالتصميم والارادة نجح زايد في أن يضع أولى لبنات ذلك الحلم.
بدأ زايد حلمه محليا. كانت نظريته مبنية على أن الاتحاد يبدأ من الذات ومن المحيط القريب. وعلى الرغم من توفر مقومات ذلك الاتحاد الا أنه لم تتوفر له مرادفات البناء.
فنظريا لم تكن هناك تجربة سياسية مشابهة يمكن تقليدها ونقلها ولم تتوفر في الإمارات بنية تحتية جاهزة وملائمة, بل حتى العنصر البشرى كان قليلا ولم يكن مؤهلا. ولكن التصميم والأرادة جعلا زايد يتمسك بالحلم ويواصل العمل لتحقيقه. كان زايد مدركا بأنه وفي سبيل حلمه الأكبر الا وهو وحدة العرب جميعا, عليه التضحية بأحلام صغار.
لذا لم يقض جل وقته في التركيز على بناء إمارته الصغيرة وضخ أموال البترول في إعمارها على الرغم من أنه كان بوسعه فعل ذلك وفي غضون سنوات قلائل, الا أن زايد فضل عوضا عن ذلك أن يركز على بناء الوطن الأكبر القادر على استيعاب الإمارات وأهلها جميعا.
لذا فعوضا عن أن يضع كل جهده في التركيز على المشاريع التنموية التي تختص بأبوظبي وضواحيها فقط أنصب جهده على تنمية الإمارات كوطن وكدولة قومية حتى قبل أن يصبح رئيسا لها.
كان زايد مدركا بأنه في امكان ثروة أبوظبي أن تصنع معجزة اقتصادية في الإمارة ولكنه فضل أن يصنع معجزة سياسية, أن يصنع وطنا عوضا عن أن يصنع إمارة. هذا المشروع القومي هو الذى خلد زايد وأبقى ذكراه أيقونة خالدة في تاريخ الإمارات حتى الآن.
خليجيا كان زايد مدركا بأن مصير أهل الخليج واحد لأن تاريخهم واحد وأحلامهمم واحدة والأخطار المحدقة بهم واحدة, ولذا فعلى الرغم من أنه ناصر قيام مجلس التعاون الخليجي الذى انبثق من أبوظبي , الا أنه كان مع الوحدة الخليجية الكبرى , هذه الوحدة التي أثبتت الاحداث العربية الأخيرة مدى أهمية وجودها.
عربيا كان زايد رجلا قوميا آمن بأن مصير العرب واحد, ولطالما دعا القادة العرب الى نبذ الشقاق بينهم والتركيز على بناء الأوطان ورفاهية الشعوب وتحقيق المصالح العليا للأوطان والشعوب لأنها هي الباقية. وعلى الرغم من مقولات زايد الكثيرة من هذا الشأن الا أن القليل من القادة العرب استمعوا بدقة الى ما يقوله هذا الرجل الحكيم.
البعض منهم كان مشغولا ببناء قوته الدفاعية التي لم تصمد في وجه ثورات شعبه , والبعض كان مشغولا بتجميع ثروات في الخارج على حساب بناء دولته , والبعض الأخر منهم كان مشغولا بتنمية وتحقيق مصالح بطانته الخاصة على حساب مصالح شعبه. وبدأ زايد في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العرب كالطير الذى يغرد خارج السرب وحيدا في دعوته, كريما في ماله, منفردا بإنجازاته.
ثماني سنوات مضت على وفاة زايد تغير خلالها الوضع محليا وخليجيا وعربيا. محليا تحقق حلم زايد في أن يرى دولته تتجه وبخطى حثيثة نحو ترسيخ المؤسسات الاتحادية وتحافظ على المنجز الاتحادى قويا خفاقا.
فمن يرى الاتحاد الأن يشعر على الفور أنه أقوى بكثير مما تركه زايد , واقوى شوكة واكثر انتشارا في المحافل الدولية. أنه حلم زايد الذى تحقق بفضل جهود شخصيات لا تكل ولا تمل أخذت على نفسها العهد في إكمال مسيرة زايد وحمل رايته.
خليجيا استمر مجلس التعاون في عمله على الرغم من كل الصعوبات التي واجهت العمل الخليجي المشترك الى أن أثبتت الاحداث الأخيرة صدق رؤية زايد في وجوب تحويل ذلك التعاون الى اتحاد. فجاءت دعوة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأخيرة في ضرورة تحويل مجلس التعاون الخليجي الى اتحاد خليجي يلبي حاجة أمن الخليج ويحمي المنطقة كلها في حالات الخطر والتهديد.
عربيا تغير العالم العربي تغيرا جذريا من أقصاه الى أقصاه في انتفاضة عربية كبرى ليست فقط على أنظمة الحكم بل على الفساد والديكتاتورية التي أفرزت الكثير من الافرازات السلبية. فطال التغير أنظمة الحكم والايديلوجيات تماما كما طال القادة العرب. فسقطت رموز وسطعت رموز أخرى.
وفي وسط كل هذه الفوضى التي طالت العالم العربي ظل رمزا واحدا خالدا لم يمس الا وهو رمز زايد. لقد ظل زايد ملكا متوجا على قلوب ليس فقط شعبه ولكن على قلوب العرب أجمعين الذين يتذكرون فضل زايد وكرمه وحكمته. ذكرى زايد ستظل خالدة لأنه رجل سبق عصره.